للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

فَقَدْ كَانَ الْمَظْنُونُ بِرَجُلٍ مِثْلِ حَكِيمِ بْنِ حَزَامِ حَبَاهُ اللهُ (١) ذَلِكَ الْعَقْلَ الرَّاجِحَ، وَيَسَّرَ لَهُ تِلْكَ الْقُرْبَى الْقَرِيبَةَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ، الْمُصَدِّقِينَ لِدَعْوَتِهِ، الْمُهْتَدِينَ بِهَدْيِهِ.

وَلَكِنَّهَا مَشِيئَةُ اللهِ …

وَمَا شَاءَ اللهُ كَانَ …

* * *

وَكَمَا نَعْجَبُ نَحْنُ مِنْ تَأَخُّرِ إِسْلَامِ حَكِيمِ بْنِ حَزَامٍ، فَقَدْ كَانَ يَعْجَبُ هُوَ نَفْسُهُ مِنْ ذَلِكَ.

فَهُوَ مَا كَادَ يَدْخُلُ الْإِسْلَامَ وَيَتَذَوَّقُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، حَتَّى جَعَلَ يَعَضُّ بَنَانَ النَّدَمِ (٢) عَلَى كُلِّ لَحْظَةٍ قَضَاهَا مِنْ عُمُرِهِ وَهُوَ مُشْرِكٌ بِاللهِ مُكَذِّبٌ لِنَبِيِّهِ.

فَلَقَدْ رَآهُ ابْنُهُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ يَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَنَاهُ؟!.

قَالَ: أُمُورٌ كَثِيرَةٌ كُلُّهَا أَبْكَانِي يَا بُنَيَّ:

أَوَّلُهَا بُطْءُ إِسْلَامِي مِمَّا جَعَلَنِي أُسْبَقُ إِلَى مَوَاطِنَ (٣) كَثِيرَةٍ صَالِحَةٍ حَتَّى لَوْ أَنَّنِي أَنْفَقْتُ مِلْءَ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَمَا بَلَغْتُ شَيْئًا مِنْهَا.

ثُمَّ إِنَّ اللهَ أَنْجَانِي يَوْمَ "بَدْرٍ" وَ "أُحُدٍ" فَقُلْتُ يَوْمَئِذٍ فِي نَفْسِي:

لَا أَنْصُرُ بَعْدَ ذَلِكَ قُرَيْشًا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَلَا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ، فَمَا لَبِثْتُ أَنْ جُرِرْتُ إِلَى نُصْرَةِ "قُرَيْشٍ" جَرًّا.

ثُمَّ إِنَّني كُنْتُ كُلَّمَا هَمَمْتُ بِالْإِسْلَامِ، نَظَرْتُ إِلَى بَقَايَا مِنْ رِجَالَاتِ


(١) حباه الله: أعطاه الله.
(٢) يعضُّ بنان النَّدَم: كناية عن شِدَّة النَّدَم.
(٣) مواطن كثيرة: مواقف كثيرة.

<<  <  ج: ص:  >  >>