واختَلَفَ الفُقهاءُ في اكلِ الضَّبِّ، فذهَبَ مالكٌ، والشّافِعيُّ وأصحابُهُما إلى أنَّهُ لا بأسَ بأكلِهِ؛ لأنَّ اللَّهَ تبارَكَ وتعالى لم يُحرِّمهُ ولا رسُولُهُ، وقد أُكِلَ على مائدةِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وبحَضْرتِهِ، ولو كان حرامًا لم يترُك رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحدًا يأكُلُهُ (١).
وقد مَضَى في بابِ ابنِ شِهاب، عن أبي أُمامةَ من هذا الكِتابِ حديثُ ابنِ عبّاسٍ، عن خالدِ بن الوَليدِ في الضَّبِّ، حيثُ قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّهُ لم يكُن بأرضِ قومي، وأجِدُني أعافُهُ". قال خالدٌ: فاجْتَررتُهُ وأكلتُهُ ورسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ينظُرُ (٢).
فبهذا الحديثِ وما كان مِثلَهُ، أخَذَ مالكٌ والشّافِعيُّ في الضَّبِّ، فأجازا أكلهُ.
وكرِه أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ أكلَ الضَّبِّ، واحْتَجُّوا هُم ومن ذهَبَ مَذْهبَهُم في كراهيةِ أكلِهِ بأحاديثَ.
منها: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٣): حدَّثنا مُوسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بن زيادٍ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حَسَنةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ أُمّةً من بني إسرائيلَ مُسِخَتْ، وأخافُ أن يكونَ منْها هذا". يعني الضَّبَّ.
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عنِ الأعْمَشِ، قال: حدَّثنا زيدُ بن
(١) انظر: الأصل لمحمد بن الحسن ٥/ ٣٩٣ (ط. دار ابن حزم)، والأم للشافعي ٢/ ٢٧٤، والمدونة ١/ ٥٤١، ومسائل أحمد وإسحاق ٨/ ٣٩٦٩ (٢٨٢٧)، والإشراف لابن المنذر ٨/ ١٦١، ومختصر اختلاف العلماء ٣/ ٢١١. وينظر فيها ما بعده. (٢) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٥٩ - ٥٦٠ (٢٧٧٥). (٣) في تاريخه الكبير، السفر الثاني ١/ ٣٤٩. وانظر ما بعده.