وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في الأمةِ:"إن زَنَتْ فاجْلِدُوها"(١). وقال مالكٌ في حديثه ذلك: ولم تُحصِنْ. وسنُبيِّنُ ذلك بعدَ تمَام القولِ في هذا الحديثِ إن شاء اللهُ.
وأمَّا قولُه في الحديثِ: جلَد ابنَه مئةَ جَلْدَة (٢)، وغَرَّبه عامًا، فلا خِلافَ بينَ علماء المسلمينَ أنَّ ابنَه ذلك كان بِكْرًا، وأنَّ الجلدَ حَدُّ البِكْرِ مئةُ جَلْدَةٍ. واختَلَفوا في التَّغْرِيبِ، فقال مالكٌ (٣): يُنْفَى الرجلُ، ولا تُنْفَى المرأةُ ولا العبدُ، ومَن نُفِي حُبِس في الموضع الذي يُنْفَى إليه. وقال الأوزاعيُّ: يُنْفَى الرجلُ، ولا تُنْفَى المرأةُ.
وقال أبو حنيفةَ (٤) وأصحابُه: لا نَفْيَ على زانٍ، وإنَّما عليه الحدُّ؛ رجلًا كان أو امرأةً، حُرًّا كان أو عبدًا.
وقال الثوريُّ، والشافعيُّ، والحسنُ بنُ حَيٍّ: يُنْفَى الزاني إذا جُلِد؛ امرأةً كان أو رجلًا. واختَلَف قولُ الشافعي (٥) في نفي العبدِ، فقال مرَّةً: أستَخِيرُ اللهَ في تغريب العبيدِ، وقال مَرَّةً: يُنْفَى العبدُ نصفَ سنةٍ، وقال مرَّةً أُخرى: سنةً إلى غيرِ بلدِه. وبه قال الطبريُّ.
قال أبو عُمر: مِن حُجَّةِ مَن غَرَّبَ الزُّناةَ مع حديثنا هذا، حديثُ عُبادةَ بنِ الصامتِ:"البكرُ بالبكرِ، جَلْدُ مئةٍ وتغريبُ عام"، لم يخُصَّ عبدًا من حُرِّ، ولا أنْثَى من ذكرٍ.
حدَّثني أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بنُ
(١) هو الحديث التالي، وهو عند مالك في الموطأ (٢٣٩٠). (٢) انظر: عمدة القاري للعيني ١٣/ ٢٧٣. (٣) النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني ١٤/ ٢٣٦. (٤) مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ٣/ ٢٧٧. (٥) الأم ٦/ ١٦٨.