ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل ليحضروا العقد، فخرجوا من بغداد، فضربت أعناقهم، وصار كذلك؛ تخرج طائفة بعد طائفة فتضرب أعناقهم، حتّى قتل جميع من هناك من العلماء والأمراء والحجّاب والكبار.
ثم مدّ الجسر، وبذل السّيف في بغداد، واستمرّ القتال فيها نحو أربعين يوما، فبلغ القتلى أكثر من ألف ألف نسمة، ولم يسلم إلاّ من اختفى في بئر أو قناة؛ وقتل الخليفة رفسا.
قال الذّهبي: وما أظنّه دفن.
وقتل معه جماعة من أولاده وأعمامه، وأسر بعضهم، وكانت بليّة لم يصب الإسلام بمثلها، ولم يتمّ للوزير ما أراد، وذاق من التّتار الذّلّ والهوان، ولم تطل أيّامه بعد ذلك.
وعملت الشّعراء قصائد في مراثي بغداد وأهلها؛ وتمثّل بقول سبط [ابن] التّعاويذي (١): [من الكامل]
يا عصبة الإسلام نوحي واندبي … حزنا على ما تمّ للمستعصم
دست الوزارة كان قبل زمانه … لابن الفرات فصار لابن العلقمي
وكان آخر خطبة خطبت ببغداد: قال الخطيب في أوّلها: الحمد للّه الذي هدم بالموت مشيّد الأعمار، وحكم بالفناء على أهل هذه الدّار؛ هذا والسّيف قائم بها.
ولتقيّ الدّين بن أبي اليسر قصيدة مشهورة في بغداد، وهي هذه (٣): [من البسيط]
لسائل الدّمع عن بغداد أخبار … فما وقوفك والأحباب قد ساروا
(١) البيت في شذرات الذهب ٧/ ٤٦٩ وديوان سبط ابن التعاويذي ٤٧. (٢) البيتان بلا نسبة في شذرات الذهب ٧/ ٤٦٩. (٣) القصيدة في النجوم الزاهرة ٧/ ٥١ - ٥٢ وشذرات الذهب ٧/ ٤٦٩ - ٤٧٠.