قال أبو المظفّر سبط ابن الجوزي وغيره (١): قلّ بصر النّاصر في آخر عمره، وقيل: ذهب كلّه، ولم يشعر بذلك أحد من الرّعيّة، حتّى الوزير وأهل الدّار، وكان له جارية قد علّمها الخطّ بنفسه، فكانت تكتب مثل خطّه فتكتب على التّواقيع (٢).
وقال شمس الدّين الجزري (٣): كان الماء الذي يشربه النّاصر تأتي به الدّوابّ من فوق بغداد بسبعة فراسخ، ويغلى سبع غلوات، كلّ يوم غلوة، ثم يحبس في الأوعية سبعة أيّام، ثم يشرب منه، ومع هذا ما مات حتّى سقي المرقد [ثلاث] مرّات، وشقّ ذكره، وأخرج منه الحصى، ومات منه يوم الأحد سلخ رمضان سنة اثنتين وعشرين وستّمائة.
ومن لطائفه أنّ خادما له اسمه يمن كتب إليه ورقة فيها عتب، فوقع فيها (٤):
بمن يمنّ يمن؟ ثمن يمن ثمن [ثمن]
ولمّا تولّى الخلافة بعث إلى السّلطان صلاح الدّين بالخلع والتّقليد، وكتب إليه السّلطان كتابا يقول فيه: والخادم - وللّه الحمد - يعدّد سوابق في الإسلام، والدّولة العبّاسيّة لا يعمرها أوّليّة أبي مسلم لأنّه والى ثم وارى، ولا أخريّة طغرلبك لأنّه نصر ثم حجر، والخادم خلع من كان ينازع الخلافة رداءها، وأساغ الغصّة التي ذخر اللّه للإساغة في سيفه ماءها، فرجّل الأسماء الكاذبة الرّاكبة على المنابر؛ وأعزّ بتأييد إبراهيميّ فكسّر الأصنام الباطنة بسيفه الطّاهر.
ومن الحوادث في أيّامه: منشوره: في سنة سبع وسبعين وخمسمائة أرسل الملك النّاصر يعاتب السّلطان صلاح الدّين في تسمّيه بالملك النّاصر، مع علمه أنّ الخليفة اختار هذه التّسمية لنفسه.
(١) مرآة الزمان ٨/ ٦٣٥ وتاريخ الإسلام ٦٣/ ٨٤. (٢) قال ابن الجزري: وكان للناصر خادم اسمه رشيق قد استولى على الخلافة وأقام مدة يوقع عن الخليفة لضعف بصره. (٣) المختار من تاريخ ابن الجوزي ١٢٢. (٤) فوات الوفيات ١/ ٦٧ وتاريخ الإسلام ٦٣/ ٨٤ ويذكر أنه كتب ذلك رسما دون نقط.