وولّى أخو الإبداع في الدّين هاربا … إلى النّار يهوي مدبرا غير مقبل
شفى اللّه منهم بالخليفة جعفر … خليفته ذي السّنّة المتوكّل
خليفة ربّي وابن عمّ نبيّه … وخير بني العبّاس من منهم ولي
وجامع شمل الدّين بعد تشتّت … وفاري رءوس المارقين بمنصل
أطال لنا ربّ العباد بقاءه … سليما من الأهوال غير مبدّل
وبوّأه بالنّصر للدّين جنّة … يجاور في روضاتها خير مرسل
وفي هذه السّنة أصاب ابن أبي دواد فالج صيّره حجرا ملقى؛ فلا آجره اللّه.
ومن عجائب هذه السّنة أنّه هبت ريح بالعراق شديد السّموم؛ ولم يعهد مثلها، أحرقت زرع الكوفة، والبصرة، وبغداد، وقتلت المسافرين ودامت خمسين يوما، واتّصلت بهمذان، وأحرقت الزّرع والمواشي، واتّصلت بالموصل وسنجار، ومنعت النّاس من المعاش في الأسواق، ومن المشي في الطّرقات، وأهلكت خلقا عظيما.
وفي السّنة التي قبلها جاءت زلزله مهولة بدمشق، سقطت منها دور، وهلك تحتها خلق، وامتدّت إلى أنطاكيّة فهدمتها، وإلى الجزيرة فأحرقتها، وإلى الموصل؛ فيقال: هلك من أهلها خمسون ألفا.
وفي سنة خمس وثلاثين ألزم المتوكّل النّصارى بلبس العسليّ (١).
وفي سنة ستّ وثلاثين أمر بهدم قبر الحسين، وهدم ما حوله من الدّور، وأن يعمل مزارع، ومنع النّاس من زيارته، وخرّب وبقي صحراء؛ وكان المتوكّل معروفا بالنّصب، فتألّم المسلمون من ذلك، وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد، وهجاه الشّعراء، فممّا قيل في ذلك (٢): [من الكامل]
باللّه إن كانت أميّة قد أتت … قتل ابن بنت نبيّها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله … هذا لعمري قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا … في قتله فتتبّعوه رميما
(١) في ح، م: الغلّ! والمقصود: الطيالسة العسليّة. وانظر تاريخ الإسلام ١٨/ ١٦.
(٢) الأبيات في تاريخ الإسلام ١٨/ ١٩.