بالمبتدإ به ليمنه وبركته، وبالمختوم به لطيبه ونظافته. فأخذ الحسن المزودين ودخل بهما على المأمون، فاستحسن ذلك، وأمر بهما ففرّغا وملئا دنانير.
وأخرج الصّولي عن محمد بن القاسم قال: سمعت المأمون يقول: أنا واللّه ألذّ العفو حتّى أخاف أن لا أوجر عليه، ولو علم النّاس مقدار محبتي للعفو لتقرّبوا إليّ بالذنوب.
وأخرج الخطيب (١) عن منصور البرمكي قال: كان للرّشيد جارية، وكان المأمون يهواها، فبينما هي تصبّ على الرّشيد من إبريق معها والمأمون خلفه، إذ أشار إليها بقبلة، فزجرته بحاجبها، وأبطأت عن الصّبّ، فنظر إليها هارون فقال: ما هذا؟ فتلكّأت عليه، فقال: إن لم تخبريني لأقتلنّك؛ فقالت: أشار إليّ عبد اللّه بقبلة؛ فالتفت إليه، وإذا هو قد نزل به من الحياء والرّعب ما رحمه منه، فاعتنقه، وقال:
أتحبّها؟ قال: نعم، قال: قم فادخل بها في تلك القبّة؛ فقام؛ فلمّا خرج، قال له: قل في هذا شعرا، فقال:[من المجتث]
ظبي كنيت بطرفي … عن الضّمير إليه
قبّلته من بعيد … فاعتلّ من شفتيه
وردّ أحسن ردّ … بالكسر من حاجبيه
فما برحت مكاني … حتّى قدرت عليه
وأخرج ابن عساكر (٢) عن أبي خليفة الفضل بن الحباب قال: سمعت بعض النّخّاسين يقول: عرضت على المأمون جارية شاعرة فصيحة متأدبة شطرنجيّة، فساومته في ثمنها بألفي دينار؛ فقال المأمون: إن هي أجازت بيتا أقوله ببيت من عندها اشتريتها بما تقول وزدتك؛ فأنشد المأمون:[من البسيط]
ما ذا تقولين فيمن شفّه أرق … من جهد حبّك حتّى صار حيرانا؟
فأجازته:
(١) تاريخ بغداد ١٠/ ١٨٥ وتاريخ دمشق ٣٩/ ٢٧٦ - ٢٧٧ و ٢٧٨. (٢) تاريخ دمشق ٣٩/ ٢٧٨ - ٢٧٩.