فقلت له: ما زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها، في يدها سبحة، فمن يقوم بأمر الدّنيا إذا كان مشغولا عنها، وهو المطوّق لها؟ ألا قلت كما قال عمّك [جرير] في [عبد العزيز بن] الوليد (١): [من الطويل]
فلا هو في الدّنيا مضيع نصيبه … ولا عرض الدّنيا عن الدّين شاغله
قال ابن عساكر (٢): أخبرنا أبو العزّ بن كادش، حدّثنا محمد بن الحسين، حدّثنا المعافى بن زكريّا، حدّثنا محمد بن محمود بن أبي الأزهر الخزاعي، حدّثنا الزّبير بن بكّار، حدّثني النّضر بن شميل قال: دخلت على المأمون بمرو وعليّ أطمار، فقال لي: يا نضر، أتدخل على أمير المؤمنين في مثل هذه الثياب؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ حرّ مرو لا يدفع إلاّ بمثل هذه الأخلاق؛ قال: لا، ولكنّك تتقشّف؛ فتجارينا الحديث، فقال المأمون: حدّثني هشيم بن بشير، عن مجالد، عن الشّعبي، عن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول اللّه ﷺ: «إذا تزوّج الرّجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز». قلت: صدق قول أمير المؤمنين عن هشيم. حدّثني عوف الأعرابي، عن الحسن، أنّ النّبيّ ﷺ قال:«إذا تزوّج الرّجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز» وكان المأمون متكئا فاستوى جالسا، وقال: السّداد لحن يا نضر؟ قلت: نعم ههنا، وإنّما لحن هشيم وكان لحّانا، فقال: ما الفرق بينهما؟ قلت: السّداد: القصد في السّبيل؛ والسّداد: البلغة، وكلّ ما سددت به شيئا فهو سداد؛ قال: أفتعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجيّ من ولد عثمان بن عفّان يقول (٣): [من الوافر]
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا … ليوم كريهة وسداد ثغر
فأطرق المأمون مليّا ثم قال: قبّح اللّه من لا أدب له! ثم قال: أنشدني يا نضر أخلب
(١) ديوان جرير ٢/ ٧٠٣. (٢) تاريخ دمشق ٣٩/ ٢٣٩ - ٢٤٥ والجليس والأنيس ٢/ ٤٠٦ وما بعد و ٢/ ٤١٢ وما بعد والأغاني ١٦/ ٢١٣. (٣) ديوانه ٣٤.