فقال: هذا نافع لكذا، ضارّ لكذا؛ فمن كان منكم صاحب بلغم فليجتنب هذا، ومن كان منكم صاحب صفراء فليأكل من هذا، ومن غلبت عليه السّوداء فلا يعرض لهذا، ومن قصد قلّة الغذاء فليقتصر على هذا؛ فقال له يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين، إن خضنا في الطّبّ كنت جالينوس في معرفته، أو في النّجوم كنت هرمس في حسابه، أو في الفقه كنت عليّ بن أبي طالب ﵁ في علمه، أو ذكر السّخاء كنت حاتم طيّئ في صفته، أو صدق الحديث كنت أبا ذر في لهجته، أو الكرم فأنت كعب بن مامة في فعاله، أو الوفاء فأنت السموأل بن عاديا في وفائه. فسرّ بهذا الكلام، وقال: إنّ الإنسان إنّما فضل بعقله، ولولا ذلك لم يكن لحم أطيب من لحم، ولا دم أطيب من دم.
وأخرج (١) عن يحيى بن أكثم قال: ما رأيت أكمل من المأمون؛ بتّ عنده ليلة، فانتبه فقال: يا يحيى انظر أيش عند رجلي؟ فنظرت فلم أر شيئا؛ فقال: شمعة؛ فتبادر الفرّاشون؛ فقال: انظروا، فنظروا فإذا تحت فراشه حيّة بطوله فقتلوها؛ فقلت: قد انضاف إلى كمال أمير المؤمنين علم الغيب! فقال: معاذ اللّه، ولكن هتف بي هاتف السّاعة وأنا نائم، فقال:[من مجزوء الكامل]
يا راقد اللّيل انتبه … إن الخطوب لها سرى
ثقة الفتى بزمانه … ثقة محلّلة العرى
فانتبهت، فعلمت أن قد حدث أمر، إمّا قريب وإمّا بعيد، فتأمّلت ما قرب فكان ما رأيت.
وأخرج (٢) عن عمارة بن عقيل قال: قال لي ابن أبي حفصة الشّاعر: أعلمت أنّ المأمون لا يبصر الشّعر؟. فقلت: من ذا يكون أفرس منه؟ واللّه إنّا لننشد أوّل البيت فيسبق إلى آخره، من غير أن يكون سمعه؛ قال: إنّي أنشدته بيتا أجدت فيه فلم أره تحرّك له وهو هذا (٣): [من البسيط]
(١) تاريخ دمشق ٣٩/ ٢٣٨ وتاريخ بغداد ١٠/ ١٨٨. (٢) تاريخ دمشق ٣٩/ ٢٣٨ وتاريخ بغداد ١٠/ ١٨٩. (٣) ديوان مروان ١١٧.