فجاءه فأمر له بمال، فأبى أن يقبله، فقال المنصور: واللّه لتقبلنّه؛ فقال: واللّه لا أقبله؛ فقال له المهدي: قد حلف أمير المؤمنين؛ فقال: أمير المؤمنين أقوى على كفّارة اليمين من عمّك؛ فقال له المنصور: سل حاجتك؟ قال: أسألك أن لا تدعوني حتّى آتيك، ولا تعطيني حتّى أسألك؛ فقال: علمت أنّي جعلت هذا وليّ عهدي؟ فقال: يأتيه الأمر يوم يأتيه وأنت مشغول.
وأخرج (١) عن عبد اللّه بن صالح قال: كتب المنصور إلى سوّار بن عبد اللّه قاضي البصرة: انظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد وفلان التّاجر فادفعها إلى القائد؛ فكتب إليه سوّار: إنّ البيّنة قد قامت عندي أنّها للتاجر؛ فلست أخرجها من يده إلاّ ببيّنة؛ فكتب إليه المنصور: واللّه الذي لا إله إلا هو لتدفعنّها إلى القائد؛ فكتب إليه سوّار: واللّه الذي لا إله إلا هو لا أخرجتها من يد التّاجر إلاّ بحقّ؛ فلمّا جاءه الكتاب قال: ملأتها واللّه عدلا، وصار قضاتي تردّني إلى الحقّ.
وأخرج (٢) من وجه آخر، أنّ المنصور وشي إليه بسوّار، فاستقدمه، فعطس المنصور، فلم يشمّته سوّار، فقال: ما يمنعك من التّشميت؟ قال: لأنّك لم تحمد اللّه، فقال: قد حمدت اللّه في نفسي؛ قال: شمتّك في نفسي؛ قال: ارجع إلى عملك، فإنّك إذ لم تحابني لم تحاب غيري.
وأخرج (٣) عن نمير المدني قال: قدم المنصور المدينة، ومحمد بن عمران الطّلحي على قضائه، وأنا كاتبه، فاستعدى الجمّالون على المنصور في شيء، فأمرني أن أكتب إليه بالحضور وإنصافهم، فاستعفيت، فلم يعفني، فكتبت الكتاب، ثم ختمته، وقال: واللّه لا يمضي به غيرك؛ فمضيت به إلى الرّبيع، فدخل عليه، ثم خرج، فقال للنّاس: إنّ أمير المؤمنين يقول لكم: إنّي قد دعيت إلى مجلس الحكم، فلا يقومنّ معي أحد؛ ثم جاء هو والرّبيع، فلم يقم له القاضي، بل حلّ رداءه، واحتبى به، ثم دعا بالخصوم، فادّعوا، فقضى لهم على الخليفة؛ فلمّا فرغ قال له
(١) تاريخ دمشق ٣٨/ ٢٢٧. (٢) تاريخ دمشق ٣٨/ ٢٢٨. (٣) تاريخ دمشق ٣٨/ ٢٢٨ بتصرف.