للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عرفة يقول في خطبته: أيّها النّاس، إنّما أنا سلطان اللّه في أرضه، أسوسكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على فيئه أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه، وقد جعلني اللّه عليه قفلا: إذا شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم، وإذا شاء أن يقفلني عليه أقفلني، فارغبوا إلى اللّه أيّها النّاس، وسلوه في هذا اليوم الشّريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم في كتابه إذ يقول: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلامَ دِيناً﴾ (١) أن يوفّقني للصّواب، ويسدّدني للرّشاد، ويلهمني الرّأفة بكم، والإحسان إليكم، ويفتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم بالعدل؛ فإنّه سميع مجيب.

وأخرجه الصّوليّ، وزاد في أوّله أنّ سبب هذه الخطبة أنّ النّاس بخلوّه، وزاد في آخره: فقال بعض النّاس: أحال أمير المؤمنين بالمنع على ربّه.

وأخرج عن الأصمعي (٢) وغيره، أن المنصور صعد المنبر فقال: الحمد للّه، أحمده وأستعينه، وأو من به، وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له؛ فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، اذكر من أنت في ذكره؛ فقال: مرحبا مرحبا، لقد ذكّرت جليلا، وخوفّت عظيما، وأعوذ باللّه أن أكون ممّن ﴿إِذا قِيلَ لَهُ اِتَّقِ اَللّهَ أَخَذَتْهُ اَلْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ (٣) والموعظة منّا بدت، ومن عندنا خرجت؛ وأنت يا قائلها فأحلف باللّه ما اللّه أردت بها، وإنّما أردت أن يقال: قام، فقال، فعوقب، فصبر، فاهون بها من قائلها، واهتبلها من اللّه، ويلك! إنّي قد غفرتها، وإيّاكم معشر النّاس وأمثالها، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله؛ فعاد إلى خطبته فكأنّما يقرؤها من قرطاس.

وأخرج (٤) من طرق، أنّ المنصور قال لابنه المهديّ: يا أبا عبد اللّه، الخليفة لا يصلحه إلاّ التّقوى، والسّلطان لا يصلحه إلا الطّاعة، والرّعيّة لا يصلحها إلاّ العدل، وأولى النّاس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص النّاس عقلا من ظلم من هو دونه.


(١) سورة المائدة ٣: ٥.
(٢) تاريخ دمشق ٣٨/ ٢١٤ وتاريخ بغداد ١٠/ ٥٥.
(٣) سورة البقرة ٢٠٦: ٢.
(٤) تاريخ دمشق ٣٨/ ٢١٦ - ٢١٨.

<<  <   >  >>