كثير، فحبسا، وتخوّف النّاس أن يقلتهما المنصور إذا ورد الحجّ، فلم يوصله اللّه مكّة سالما، بل قدم مريضا ومات، وكفاهما اللّه شرّه، وكانت وفاته بالبطن في ذي الحجّة، ودفن بين الحجون وبين بئر ميمون؛ وقال سلم الخاسر (١): [من الطويل]
قفل الحجيج وخلّفوا ابن محمّد … رهنا بمكّة في الضّريح الملحد
شهدوا المناسك كلّها وإمامهم … تحت الصّفائح محرما لم يشهد
ومن أخبار المنصور: أخرج ابن عساكر (٢) بسنده، أنّ أبا جعفر المنصور كان يرحل في طلب العلم قبل الخلافة، فبينا هو يدخل منزلا من المنازل قبض عليه صاحب الرّصد، فقال: زن درهمين قبل أن تدخل، قال: خلّ عنّي، فإنّي رجل من بني هاشم، قال: زن درهمين، قال: خلّ عنّي، فإنّي من بني عمّ رسول اللّه ﷺ، قال:
زن درهمين، قال: خلّ عنّي، فإنّي رجل قارئ لكتاب اللّه، قال: زن درهمين، قال: خلّ عنّي، فإنّي رجل عالم بالفقه والفرائض، قال: زن درهمين؛ فلمّا أعياه أمره وزن الدّرهمين، فرجع ولزم جمع المال والتّدنّق فيه حتّى لقّب بأبي الدّوانيق (٣).
وأخرج (٤) عن الرّبيع بن يونس الحاجب، قال: سمعت المنصور يقول: الخلفاء أربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ؛ والملوك أربعة: معاوية، وعبد الملك، وهشام، وأنا.
وأخرج (٥) عن مالك بن أنس، قال: دخلت على أبي جعفر المنصور فقال: من أفضل النّاس بعد رسول اللّه ﷺ؟ قلت: أبو بكر وعمر، قال: أصبت، وذلك رأي أمير المؤمنين.
وأخرج (٦) عن إسماعيل الفهريّ، قال: سمعت المنصور في يوم عرفة على منبر
(١) ليسا في ديوانه، ضمن (شعراء عباسيون لغرونباوم) وهما بلا نسبة في أنساب الأشراف ٣/ ٢٧٤. (٢) تاريخ دمشق ٣٨/ ٢١٠. (٣) الدّانق: سدس الدينار. (٤) تاريخ دمشق ٣٨/ ٢١١. (٥) تاريخ دمشق ٣٨/ ٢١١. (٦) تاريخ دمشق ٣٨/ ٢١٣.