يفقّههم ويعلّمهم، وضع لهم «عقيدة» لقفها عنه عامّتهم، ثم مات. فخلفه بعد موته عبد المؤمن ابن عليّ القيسي (١)، وتلقّب بأمير المؤمنين، وغلب على ممالك المغرب هو وأولاده من بعده مدّة سنين، وتسمّوا ب «الموحّدين»؛ فلذلك صارت دولة الموحّدين ببلاد المغرب تستبيح دماء من خالف عقيدة ابن تومرت، إذ هو عندهم الإمام المعلوم المهدي المعصوم، فكم أراقوا بسبب ذلك من دماء خلائق لا يحصيها إلاّ اللّه خالقها ﷾، كما هو معروف في كتب التاريخ.
فكان هذا هو السّبب في اشتهار «مذهب الأشعري» وانتشاره في أمصار الإسلام، بحيث نسي غيره من المذاهب وجهل؛ حتى لم يبق اليوم مذهب يخالفه، إلاّ أن/ يكون مذهب الحنابلة، أتباع الإمام أبي عبد اللّه أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ فإنّهم كانوا على ما كان عليه السّلف لا يرون تأويل ما ورد من الصّفات.
إلى أن كان بعد السبع مائة من سني الهجرة، اشتهر بدمشق وأعمالها تقيّ الدّين أبو العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السّلام بن تيميّة الحرّاني، فتصدّى للانتصار لمذهب السّلف، وبالغ في الرّدّ على مذهب الأشاعرة، وصدع بالنّكير عليهم وعلى الرّافضة وعلى الصّوفيّة؛ فافترق النّاس فيه فريقان:
فريق يقتدى به، ويعوّل على أقواله، ويعمل برأيه، ويرى أنّه شيخ الإسلام وأجلّ حفّاظ أهل الملّة الإسلامية. وفريق يبدّعه ويضلّله، ويزرى عليه بإثباته الصّفات، وينتقد عليه مسائل: منها ما
= ابن الأثير: الكامل ٥٦٩: ١٠ - ٥٨٢؛ المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب ٢٤٥ - ٢٦٤؛ ابن خلكان: وفيات الأعيان ٤٥: ٥ - ٥٥؛ الذهبي: سير أعلام النبلاء ٥٣٩: ١٩ - ٥٥٣؛ الصفدي: الوافي بالوفيات ٣٢٣: ٣ - ٣٢٨؛ السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ١٠٩: ٦ - ١١٧؛ ابن خلدون: العبر ٢٢٥: ٦ - ٢٢٩؛ Hopkins، J.F.P.، El ٢ art.Ibn Tumart III، pp. (٩٨٣ - ٨٤. وألّف ابن تومرت لأتباعه كتاب «التّوحيد» باللّسان البربري وهو سبعة أضراب عدد أيام الجمعة (نظم الجمان ١٢٩). ونشرت «عقيدة ابن تومرت» المعروفة ب «عقيدة التّوحيد» بعناية J.D.Luciani في الجزائر سنة ١٩٠٣؛ وفي القاهرة بتصحيح محيي الدين صبري الكردي سنة ١٩٣٠. (١) راجع أخبار عبد المؤمن بن علي القيسي، المتوفى سنة ٥٥٨ هـ/ ١١٦٣ م، عند المراكشي: المعجب ٢٨٤ - ٣٠٣، ٣٢٧ - ٣٤٤؛ ابن خلكان: وفيات الأعيان ٢٣٧: ٣ - ٢٤١؛ الذهبي: سير أعلام النبلاء ٣٦٦: ٢٠ - ٣٧٥؛ الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٣٣: ١٩ - ٢٣٨؛ أبي المحاسن: النجوم الزاهرة ٣٦٣: ٥ - ٣٦٤. وراجع عن الموحّدين ودولتهم، جوزيف أشباخ: تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحّدين، ترجمة محمد عبد اللّه عنان، القاهرة ١٩٥٨؛ محمد عبد اللّه عنان: عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس، القاهرة ١٩٦٤؛ مراجع عقيلة الغناي: سقوط دولة الموحّدين، بنغازي ١٩٧٥، Shatzmiller، M.، El ٢ art.al-Muwahhidun VII، pp. ٨٠٣ - ٨.