بنى ما بَنى كسرى وما قلتُ: مُؤْمِنٌ … يُبَاهي بهِ فيما بناه كَفُورُ
حجارته السُّحْبُ الثِّقالُ تَسُوقُها … عَلَى عَجَلٍ سَوْقًا صَبًا وَدَبُوْرُ
يضيقُ بها السيلُ الفجاج فلا تَرَى … بها للرياح العاصفاتِ مَسِيرُ
ومنها نجوم في بُرُوجٍ مَجَرَّةٍ … على الأرض تبدو تارةً وتَغُورُ
ومِنْ عَمَدٍ في همة الدهرِ قبرُهُ … وفي باعِهِ مِنْ أَنْ تَجُرَّ قُصُورُ
أَشارَ لها فانقادَ سَهْلًا عَسِيرُها … إليهِ وما أَمْرُ عليهِ عَسِيرُ
ومئذنة كالنجم تُشْرِقُ في الدُّجى … عليها هُدًى للعالمين ونُورُ
فكم حسدتها في الكمال كواكب … وغارَتْ عليها في العُلُو بُدُورُ
إذا قام يدعو الله فيها مُؤَذِّنٌ … فما هو إلا للنجوم سمير
وفيه مارستان ليسَ لِعِلَّةٍ … عليهِ وإن طال الزمانُ مُرُورُ
صحيحُ هواء للنفوس بنشْرِهِ … مَعَادٌ وللعَظْمِ الرَّمِيم نُشُورُ
تهبُّ فَتَهْدِي كُلَّ روح لجسمِهِ … كأَنَّ صَبَاهُ حِينَ يَنفَخُ صُورُ
ومدرسة ود الخورنقُ أَنَّهُ … لديها خطير والسَّديرُ عَذِيرُ
مدينة علم والمدارسُ حَوْلَها … قُرِّى أَوْ نجوم بدرهنَّ مُنِيرُ
بناء كأنَّ النَّحْلَ هَنْدَسَ شَكْلَهُ … ولانَتْ لَهُ كالشـ كالشَّمْعَ فِيهِ صُخُورُ
يرى مَنْ يَرَاهَا أَنَّ رَافِعَ سَمْكِها … على فَعْلِ مَا أَغْنى الملوكَ قَدِيرُ
ثمانية في الجو تحملُ عَرْشَها … وبعضُ لبعض في البناء ظَهِيرُ
ذَكَرْنا لديها النَّسْرَ فِيهِ مَرَّةً … فما كانَ نَسْرُ للحياء يطير
فإِنْ نُسِبَتْ للنَّسْرِ فالطائرُ الذي … له بالبروج الثابتاتِ وُكُورُ
بناها سعيد في بقاع سعيدة … بها سَعِدَتْ قبل المدارس دُوْرُ
فصارت بيوت الله آخر عُمْرِها … قُصُورًا خَلَتْ مِنْ سادةٍ وخُدُورِ
بها عَمَدُ كَاثَرْنَ أَيامَ عامِها … ومِنْ عامها لمْ يَمْضِ بعدُ شُهُورُ
سماوية أرجاؤها فكَأَنَّما … عليها مِنْ الوَشْي البديع سُتُورُ
والله يوم ضم فيها أتمَّةٌ … تدفّقَ منهم للعلوم بحور
وما مَلَكَ السُّلطان إلا سعادةً … يدوم لهُ ذِكْرُ بها وأُجُورُ
فهل في ملوك الأرضِ أَوْ خُلفائِها … له في الذي سَادَتْ يداهُ نَظِيرُ
* * *
أنجز السفر الثامن عشر من كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» - والحمد لله وحده - ويتلوه في السفر التاسع عشر منهم: السراج الوراق
* * *