للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان الملك الأشرف قد ابتنى بقلعة أخلاط دارًا أحكم فيها معاقد القبب، وأضرم مواقد الذهب، وأبدع في عجائب معاذيرها، وغرائب تصاويرها، وفرش بطين المسك ترابها، وثب شبيه الجوزاء أترابها، وقلعة أخلاط على الغيوم مخيمة، وبالنجوم مختمة، قد رصعت بالحبب كأس الثريا، وأجرت في خدّ الشفق الحميا، وبعدت على البرق فركب خلفها وساق، ودعت العَيُّوق فخاض وراءها المجرة مشمرًا عن ساق، يستدبرها خندق لا يهجم عليه ظلّ الخيال خيفة، ولا تقتحم طيف الخيال مخيفة، ولا يتصور بلوغ أدناه إلا عقول سخيفة، لا يلحق أسفله قطر الغمام، إلا وهو سيل، ولا تصل أسفله هوج الرياح إلا وهي واهية الحيل، ولا ترى ساكنة إلا وقد فاض، ولا نواجم النجوم إلا وهي رياض، ولا تمرّ به السحب إلا ومزادها أنفاض، فقال يمدحه ويذكر القلعة والدار (١): [من الطويل]

سَقَى اللهُ مِنْ أَعْلامِ أَخلاطَ قَلْعةً … نجوم بها نَسْرُ السماء على وَكْرِ

ودارًا على خير الطوالع أُسِّسَتْ … فمن حلَّ فيها في أمان من الدهر

وقد أنبتت أركانها مِنْ نَسَمَاتِها … ويقطرُ مِنْ أَرجائها وَرَقُ التَّبْرِ

ومنه قوله (٢): [من البسيط]

تنفست عن عبير الراحِ مُقلتُهُ … وافتر مبسِمُهُ الشَّهْدِيُّ عَنْ حَبَبِ

لا في العُذَيْب ولا في بارقٍ غَزَلي … بل في جَنَى فِمِهِ أَوْ تَعْرِهِ الشَّنِبِ

ثغر إذا ما الدُّجَى ولَّتْ تنفسَ عَنْ … ريح مِنَ الراحِ أَوْ ضَرْبٍ مِنَ الضَّرَبِ

كأَنَّهُ حينَ يرمي عَنْ حَنيَّتِهِ … بدر رمى عن هلال الأفق الا بالشُّهُبِ

يا جاذب القوس تقريبًا لوجنته … والهائمُ الصَّبُّ منها غير مقترب

أَليسَ مِنْ نكد الأيام يَحْرِمُها … فمي ويلثمها سَهْمٌ مِنَ الخَشَبِ

لَدْنُ المعاطف قاسي القلبِ مبتسمٌ … لا عَنْ رضًا مُعْرِضُ عَنِّي بلا غَضَبِ

تميلُ أعطافُهُ منها بشَعْرَتِهِ … كما تميل رماحُ الخَط بالعَذَبِ

أشار نحوي وجُنْحُ الليلِ مُعتكِرٌ … بِمِعْصَمِ بشعاع الكاسِ مُختَضِبِ

بِكْرُ جَنَاها أبوها قبل ما جُلِيَتْ … في حجرةِ الدَّنْ أَوْ فِي قِشْرَةِ العِنَبِ

حمراء تفعل بالأحزانِ ما فعلت … أسياف شاهِ أَرْمَنٍ في عسكرٍ لَجِبِ

مَلْكُ يُفرِّقُ يومَ السِّلْمِ ما جَمَعَتْ … يُمناهُ في الحرب بالهندية القُضُبِ


(١) من قصيدة قوامها ٢٩ بيتًا في ديوانه ٢٢٧ - ٢٣٣.
(٢) من قصيدة قوامها ٢٨ بيتًا في ديوانه ٢٣٤ - ٢٤٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>