لا تخش منّي فإني كالنسيم ضني … وما النسيم بمخشي على الغُصُنِ
قال ابن خلكان فيه (١): الشاعر المشهور المصري صاحب الديوان المضمن الشعر البديع، والنظر الرائق، أحذ الفضلاء الرؤساء النبلاء، وكان كثير التخصص والتنعم محظوظًا من الدنيا، أخذ الحديث عن السلفي واختصر كتاب الحيوان للجاحظ وسماه «روح الحيوان» - وهي تسمية لطيفة، وله ديوان جميعه موشحات سماه «دار الطراز»(٢) وجمع شيئًا من الرسائل الدائرة بينه وبين الفاضل إلى أبيه مما جاء ذكره فيه عرضًا أو إلى ابنه الأشرف على هذا المقتضى، إذ كان الفاضل كثير الغض منه، والتغافل إذ عدمت الأعيان عنه.
قال ابن خلكان (٣): واتفق في عصره بمصر جماعة من الشعراء المجيدين، وكانت لهم مجالس تجري بينهم فيها مفاكهات ومحاورات يروق سماعها، ودخل مصر في ذلك الوقت ابن عنين فاحتفلوا به، وعملوا له دعوات، وكانوا يجتمعون على أرغد عيش، وكانوا يقولون: هذا شاعر الشام، وجرت لهم محافل سطرت عنهم، لولا خشية التطويل لذكرت بعضها.
وقال (٤): وكان بمصر شاعر يقال له: أبو المكارم هبة اللهبن وزير فبلغ السعيد أنه هجاه فأحضره إليه وأدبه، فقال ابن الهيثم:[من البسيط]
قُلْ للسعيد أدام الله نعمته … صديقنا ابن وزير كيف تظلمه
صفعته إذ غَدَا يهجوكَ مُنتقمًا … فكيفَ مِنْ بعد هذا أنت تشتمه
هجو بهجو وهذا الصَّفْع فيه … والشَّرع ما يقتضيه بلْ يُحرِّمُهُ
فإن تقل ما لِهَجْوِ عِندَهُ أَلَمٌ … فالصفح - والله - أيضًا ليسَ يُؤلَمُهُ
قلت: ولابن مماتي رسائل إلى ابن سناء الملك فيه ذكر ابن وزير فيها من قوارع التقريع ومؤلم الكلام مالا طاقة له بحمل سهامه الناضجة، ووقع سيوفه القاتلة.
وقد ذكر العماد الكاتب في الخريدة، وقال (٥): كنت عند القاضي الفاضل في خيمته بمرج الدلهمية ثاني عشر ذي القعدة سنة سبعين وخمسمائة فأطلعني على قصيدة
(١) وفيات الأعيان ٦/ ٦١. (٢) طبع بتحقيق د. جودت الركابي، دار الفكر دمشق ١٣٦٨ هـ/ ١٩٤٩ م وأُخرى في ١٣٩٧ هـ/ ١٩٧٧ م. (٣) وفيات الأعيان ٦/ ٦٢. (٤) وفيات الأعيان ٦/ ٦٤. (٥) خريدة القصر ١/ ٦٤ - ٦٥.