أوجه العجائز وأزراره ناهدة، وكم من أعطاف رؤيت في صحنه مائدة، وكم من طائر لرفع نسره مخفوض، وكم حسن بناء عند بنائه يعرب أنه مرفوض، كم أظهرت الصناع فيه بدائع لا يدعيها غيرهم، ولا يتعاطى؟ وكم أبرزوا فيه من معجز؛ لأنهم جعلوا الحجارة أوراقًا والرخام أخياطا؟ قد عمر الله تعالى أوقاته بالذكر، وأراح قلب مَنْ يراه من الهم، وأراح عنه الفكر، قال: فلما رأيت مجموعه المختار، وأن العيون تَوَدُّ لو نسج له من شعر جفونها استار، قلت:[من الطويل]
تقول دمشق إِذْ تُفاخر غيرَها … بجامعها الزاهي البديع المُشَيَّدِ
جَرَى لتناهي حسنه كل جامع … وماقصبات السبق إلا لمعبد
قال: فبينا نحن ذات ليلة وقد وردنا حمى المضاجع، ودخل ضيف الطيف على مقلة الهاجع، وإذا بالأصوات تعجّ، والدعوات تَلِجُ أبواب السماء وتلج:[من الطويل]
فلونشدت نعشًا هناك بناتُهُ … لمات ولم يسمع لها صوت منشد
فسألت عن الخبر ممن عبر، فقال: إن الحريق وقع قريبًا من الجامع، وانظر إلى نسج الجو كيف انتشرت فيه عقائق اللهب اللامع، فبادرت إلى صحنه والناس فيه قطعة لحم، والقلوب ذائبة بتلك النار كما يذوب الشحم، ورأيتُ النار وقد نشرت في حداد الظلماء معصفرات عصائبها، وصعدت إلى عنان السماء عذبات ذوائبها:[من الطويل]
ذوائب لجت في عُلُوّ كأنما … تحاول ثأرًا عند بعض الكواكب
وعَلَتْ في الجو كأنها أعلام ملائكة النصر، وكان الواقف في الميدان يراها وهي ترمي بشرَرٍ كالقصر، فكم زمرٍ أضحت لذلك الدخان جاثية؟ وكم نفس كانت في النازعات وهي تتلو ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ (١)؟ ولم تزل النار تأكل مايليها، وتفني ما يستقلها ويعتليها، إلى أن ارتقت إلى المأذنة الشرقية، ولَعِبَتْ ألسنتها المسودة في أعراض أخشابها النقيّة، وثارت اليها من الأرض لأخذ الثار، وأصبح صخرها كما قالت الخنساء:[من البسيط]
كأنه علم في رأسه نار
فنكست وكانت للتوحيد سبابة ولمعبدها المطرب شبابة، وابتلى رأسها من الهدم والنار بشقيقة، وادار الحريق على دائرها رحيقه:[من المتقارب]