للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بلدًا أعارته الحمامةُ طَوْقَها … وكساهُ حُلّةَ ريشة الطاووس

وكأنما الأنهارُ فيهِ سُلافةٌ … وكأن ساحات الديار كؤوس

فألقيت العصا في ساحاتها، وألفيت زوال التعب في مصافحة راحتها، فما سرتُ فيها إلى روض إلا وأجلسني من النرجس على أحداقه، وقام السرو من السرور بين يدي على ساقه، وجرى الماء في خدمتي لكرم أخلاقه، وظللني الدوح لطيب أعراقه، ومد الغصن لي ستور أوراقه، وغنّى لي الحمام على عودِهِ، ولو تأنى أو تأبى جره بأطواقه، قال: فشفيت سقمي بنسيمها العليل، واستروحت إلى ما نقله عن بانه وبنفسجه لا إلى ما يتحمله من الإذخر والجليل، وخلْتُ إنه بلطف مسه يلين له الجندل، وجننت بعرفه المندلي، وما رأى الناس من جنّ بالمندل، وبردت بأنفاسه حرّ الصبابة والجوى.

وقلت: [من الكامل]

أضحى نسيم دمشق حياها الحَيَا … يمشي الهوينا في ظلال حماها

فكأنهُ مِنْ مائِها وهضابها … ماداس إلا أعينا وجباها

وقطعتُ بها زمنًا ألذ من وصال الحبيب، وأشهى إلى النفس من التشفي بأذى الرقيب، فلا أبعد الله ما في بساتينها من شجرات ولا قدر الكسوف على ما فيها من كواكب الثمرات، ولا دك هضبات أزهارها التي تضوع بطن نعمان برياها، ولا بمن مشى به من الخفرات فأنها: [من الخفيف]

شوقتنا إلى الجنان فزِدْنا … في اجتناب الذنوب والآثام

قال: ولازمت جامعها الذي تحيّرت العقول في تكوينه وكنهه، وحسنه الذي لم يكن فيه عيب سوى انه لم تقع العين على شبهه، والله من نظم درًّا فيه، حين قال فيه: [من المتقارب]

دمشق لها منظر رائقُ … وكلُّ إلى وصلها تائقُ

وكيف تقاس بها بلدة … أبى الله والجامع الفارق

فإنه يوقظ النائم بحسن رخامه القائم، ويجلو بهيم الدجى حصة الفجر من حصه، وتروي لك زخرفته حديث الحسن بفصّه، كم زَهَرَت فيه ليلة النصف من ذبالة هي نجم توقد، وكم دار به دولاب كانت قناديله تدور مثل الفرقد، وكم طلع في سماء صحنه من ثريا، وكم تمنى القمر لو كان بين نجومه، فما اتفق له ذلك ولا تهيأ. وكم جَلَبَتْ عروسه في عقود وقود، وكم تمتعت الأبصار فيه بوجوه تُخْجِل البدر في ليالي السعود، وكم فيه من عمود قام على قاعدة، وكم به من منجور كغضون

<<  <  ج: ص:  >  >>