للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإن كان مما لا يطيق الامة تكليف.

ومنه قوله وقد أهدى إليه صاحب له طبق مشمش مع غلام مليح:

وصل البر الذي زاد على منتهى الطلب، وأشهد النواظر بين يدي قضيب البان كرات الذهب، وجاء بالبدر وقد اتسق، والنجوم وقد ركبت في دائرة الطبق، فبهت لدنو صور الكواكب من اللمس، وتسيير القمر في منازل الأرض، وهو الذي لا ينبغي أن تدركه الشمس، ثم تأمل وتملّى، واستجلى واستحلى، وقال شكرًا للمرسل والرسول وياحسن الحامل، وبالذة المحمول أهلًا بما لم أكن أهلًا لموقعه، ومرحبًا بكرم جمع بين تنوّعه وتسرّعه، أين الأمل من هذه الغاية؟ وكيف غفل الدهر حتى تناهى في الإحسان إلى هذه النهاية؟ مولى يسعى إلى عبده، وغصن تجيء ثمرة تميس في أوراقه من برده.

ومنه قوله في ذكر الدواة:

وقد أرسلها مشتعلة بالسر مفارق راسها، مستعدية على وضعها الذي انتزع روحها باستمداد أنفاسها، واستحال عليها مع الدهر حتى عكس النقب في روعها من قرطاسها، فهي بيضاء إلا أن السواد كان أنقى لسمائها، وناجية عندها أن الغرق أسكن لروعتها من نجاتها، وأملها أن تسودها يد لك لا تسود إلا من النفس، وأن تديل لها من سالب صبغتها وهو الطرس، فيطيل لسان فمها، وهو القلم يمج على حواشيه لعاب الظلماء في لهوات الشمس.

ومنه قوله في أمر وفاء النيل:

وذلك أنه عند تسطيرها، وردها المثال الشريف يتضمن نَبَأَهُ بسطوره التي كأنها جداوله، وأنه جاء لمؤمله بنفسه التي ليس في يده غيرها، فكأن المسؤول لا شك سائله، وما أظنّه إلا حيًا نزل دون تلك الديار مهابة لمن حلّها من مطايا الغمام، واحلها من أحلّه أن يلم بها ركبًا، فمشى على وجهه إليها تناهيًا في الإكرام، ولم يزل يجري لمستقر له، ويضمه شيئًا فشيئًا إلى أن أدرك آخره أوّله. ووارده في كل ساعة يشهد بنجاح رأى الرائد على التحقيق، ومخلقه المتواري بحجاب الماء يوميء بأصبعه إلى حسن العاقبة على أنه في حالة الغريق، ولو قدر على المقال لظهر خافيه ونطق بتوفية عوائده، وأنى ينطق والماء ملء فيه، حتى إذا تكمل سمو أمواجه حالًا على حال، وتنور أقاصي الأرض من ثنية المقياس، فأدناها النظر العال، لم يملك طبعه السيّال أن غطى مساوئها البادية، ورأى ظمأها إليه مع القصور عنه، فنقع بانتقاله إليها غلة كبدها الصادية، وكان له الفضل على الثرى والورى في ذلك المسعى، وقالت

<<  <  ج: ص:  >  >>