للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وتنبه ذكره، ثم رقد، وهب لهب صيته ثم خَمَد، وجرى ماء حظه يتدفق ثم جَمَد، ورتب في كتابة الدرج في عدة مواضع من الممالك في أقرب مدة من الزمان، واشتهر برجاجة العقل والكتمان، ووفور الفضل والأدب، ثم كتب الإنشاء بدمشق ثم بمصر، فأنشأ غرّ التقاليلد. ورقم برودها، ونظم ما استجدت منه أجياد الحسان عقودها، وحضر بين يدي المقام الشريف، وكان عندي موضع الثقة، وقدمته لأهليته، ثم بعد أن رفعت ذلك الشعار، وخلعت ذاك الرداء المعار، قلتُ الموت ولا العار، لبث قليلا ثم تَبِعَتْهُ عوادي الضرّاء وروعته في وسط السرّاء، ثم كان في صفد بين قومه، إلا أنه لا يجد قوت يومه، وبقي حيًّا ميتًا، لا يملك بيتًا، ثم انفرجت حلقة ضائقته، وعادت لوامع شارقته، وفسح له في سكنى دمشق، فعاد إلى صدور مجالسها، ثم كتب في ديوان الإنشاء بها، وحلّ مفاخر رتبها، فتبلل عودها بأندائه، وأشرقت سعودها باستظهاره على أعدائه، ثم طلب إلى مصر، ووقع بالدست، وهو الآن جمال الأوان، وكمال الديوان، وبيده الأزمة، وإليه الأمور المهمة، وفضله يستحق التتمة.

ومن نثره قوله في ورقة كتبها إلى والدي:

وينهى أن إحسان مولانا وصل إلى ذلك الفقير الصالح، الذي من قرية نين، وهي قرية المملوك التي أخرجته، وإنما خدمته للبيت العمري هي التي خرجته، وإلى طبقات الناس درجته، وقد بقي يعوزه كتاب كريم إلى مشدّ صفد، نظرًا لكتاب الكريم الذي صار في يده إلى نائبها والمملوك يسأل الصدقة عليه بالمطلوب، وأن يكون كتابًا حسنًا يعيره مولانا سماحة كرمه وقلمه، ويُلحفه جناح جاهه وكلمه، صدقةً على المملوك دونه، ويدًا يقبلها ويقبلها ممتنة غير ممنونة، والوحا الوحا، وقد ضجر المملوك وهو استحى، والله يرفع درجة مولانا حتى يكون على الكواكب مستفتحا، ولنظره في حديقة المجرة مَنْزَها، وبعرف نرجسها مترنحا.

ومنه قوله في تهنئة بعود الركاب السلطاني من الحج:

وجمع الحجيج في سنتهم الواحدة بين حجتين، وكتب لمناسكهم بيمنه أجْرَ مصلّي القبلتين، وتم لتوجههم بأنواره، الهدى والنور، وحصلوا من صفقته الرابحة على تجارة لن تبور، ووقاهم لفح الهجير تطوفهم بالكعبتين، ذات المقام وظله، وامنهم العقبى تمسكهم بالعروتين من البيت العتيق وفضله، وعشوا إلى ضوئين من ناره التي هي أم القرى، ومكة المسماة في الذكر القديم أم القرى، فهذه المهاجرة التي جدّدت السنة بمحمدها، والمثابرة التي أعلنت الالسنة بمدح سؤددها، وهو الجدير بأن يوفيها من استبشاره وشكره أكمل وظيفة، وان يقدر موقعها حق قدره،

<<  <  ج: ص:  >  >>