أقمتُ مجاورًا في عُقْرِ بيتي … لأنَّ تنقلي داء عقام
إذا رُزِقَ الفتى عقلًا ودينًا … ودنيا برة طاب المقام
آخره تتمة:
مَلَلْتُ من المقام على خمول … وحلَّ من الهموم بي انتقام
ولو أني سعيتُ لكسب مال … حلال طال لي فيه المقام
وإذا وَصَلَتْ المقامة تمت المقامة، وإلا فكلام المملوك خبط عشواء في هذه الحالة، نسق المملوك من كتابه (عرف الادب الوردي) فتنهد وارتاح إلى ذلك الدين الذي عرّى المملوك من فضله، مع أنه ما برح حتى للرياض بالكسوة يتعهد، فيا شوقي إلى دنانيره وقد ألقاها الشوق في بناني، وإلى وجناته الوردية وقد وقَفَتْ نصب عياني، ولكن ما أفعل في سوء الحظ، غايتي أن ألومه، ومولانا يعرض عليه لهفاتي وما يخفى عنه طريق اكرومة.
ومنه قوله:
وينهي ورود البشرى التي ملأت الوجوه بشرا، والوجود نشرا، وأقامت بالسرائر سوقًا أضحت تباع به البشائر وتشرى، بما حَصَلَ لمولانا من الإقيال الشريف الذي تَعدَّدَتْ تشاريفه وتحدّدت تكاليفه، وتزيدت على وسع الآمال مصاريفه، من تيجان غمام اعتدلت فوق مفرقه، وألوان فراج أحرق في سمور سجفها زركش النجوم، فلاحت تلك اللمع من محرقه، ومن هالات طرحات كأنما كن لشهابه المشرق فلك تدوير، ومن أبدان سنجاب حكت بياض البطون وزرقة الظهور طلوع الشمس في يوم مطير، فقابل المملوك وسائر المماليك المحبين هذه النعمة بحقها من الشكر، وأفاق بهبوب نسيمها، وإن كان غرامه في هذه المدة بمطالعة مسالك الأبصار لا يدعه يفيق من السكر، فلله هذا الحبيب المشنف والغريب المصنف والمنوّع المنوّر، والدهر الذي هو بأهله من لدن آدم مصور، حرس الله هذا الجمع الصحيح وهذا الفصل الذي نثر من الدر في حجور التراجم كل مليح، وهذا السياق الذي سير الشموس من الطروس على نجائب، وهذا الوفاق الذي حصله بين البر والبحر، وحدث عن العجائب بعجائب، فما كان للمملوك دأب في هذه المدة إلا التقاط درره من أصداف الأوراق، واجتناء ثمره من غصون تلك السطور، وكله قد راق، فإن اعترضته عنبرة ثناء فَتَها على جمر الشوق فتا، أو عارضته عرائش تصانيف الأولين أقام تلك المجلدات فتصير ستا، والمرجو من الله تعالى رؤية ذلك الوجه