المسلمين ومصيبة سودت وجه الدنيا، فبيض الله وجه الدين، وواقعة لها اقتربت الساعة، وقارعة لولا المعوذات لما قُبلت فيها شفاعة، ويالها عينًا دخلت على هذه الأسواق فَخَلَتْ، ويدًا استجدت منها محاسنها فأعطتها وما بَخِلَتْ. كانت لعمارتها رمانة. فأمست جلنار، وكانت محاسنها ليس عليها غبار، فأصبحت لا تعرف من الغبار، وماسكت لهذه النار لسان. ولا خفى لها شخص ولا عيان، ولا نشفت الدموع التي أطفأتها، ولا بردت ضلوع القياسير التي دفأتها، حتى طلعت شمس الفتنة من غربها، وتعالت أصوات النائبة عن قربها، وأتى النقص من جهة الزيادة، وسعى الداء بما وسع العيادة، فصار سوق الكفت كفاتًا، وسوق الخام رفاتًا، وخرجت قيسارية القاس عن القياس، وتوارد الاياس والرجاء في أمر البلد بمجموعة ولكن غلب الاياس، فركب المملوك بنفسه ومن عنده من الأمراء، وبأيديهم أسلحة المعاول، وعلى عواتقهم لقطع عنق النار سيوف الجداول، فكم من أرس قد داسته النار دوسًا، وكم من قد وقوس تصرفت فيهما، فصار القوس قدا، والقد قوسا، وكم من أوتار أخذت منها الأوتار، وكم من سهام نفذت لها في قلب الاسلام كما شاء الكفار، وكم من حلقة انقضت، وكم من عين بيضاء اسودت، وعين سوادء ابيضت، وكم من لجام دخل فيه لسان النار فلاكه، وكم من بحر سرج رمى عليه اللهب شبكة فأكل أسماكه، وبقي المملوك كلما دار إلى دار سبقه إليها المقدار، أو أشار إلى دكان تداعَتْ منها الأركان، هذا والصاغة تعوّذ عين ذهبها من عين لهبها، والمأذنة ترجف فرائص تختها من مصرع أختها، وتدارك الله الحال بلطفه، ومن بإطفاء ذلك الحريق، ولولا منه لم نطقه ولم نُطْفِهِ، ولم تقتصر الحال عن هذين الحريقين، بل تتابع بعدهما لهما أمثال، ومايشك المملوك في صدق ما أشار إليه مولانا من تلك الحكايات، وضربه من الأمثال، فإنه ما يسعر هذه النار إلا عدوّ أزرق، ومَنْ أُحرق قلبه بحريق جانب من معبده، فلا غرو إذا أحرق.
ومنه قوله:[من الكامل]
يا سادة نزحوا دموعي عندما … نَزَحُوا وعهندي منذ ذلك عام
أوما وجدتم ري دمعي عندما … وافاكم من ناظري غمام
كيف اعتقدتم سلوتي عن ذكركُم … ايطيب إلا بالكمال كلام
ها أنتم في ناظري مادمت يقـ … ـظانًا وتجلوكم لي الأحلام
أشجى فراقُكُمُ دمشق فغصنُها … قلق إذا ناحت عليهِ حَمامُ
ونزلتم الشهباء فاجتالت لأن … علمت بأن النازلين كرام
طابت بكم ويطيب كلُّ حمى غدا … يُعزى لابراهيم فيه مقام