للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سلم حتى ودّع، ولا تلقته القوابل حتى شيعه من شيع.

ومن نثره قوله في جواب كتبه عن نائب الشام تنكز (١) إلى نائب طريق في معنى الحريق (٢) الذي حصل بدمشق سنة اربعين وسبعمائة:

أعز الله أنصار المقر الشريف، وحرس برّه الذي يتحرى، وحبوه الذي يتسرع إلى القلوب ويتسرى، وأمره الذي يبرد بنداه كل كبد حرّى، وسره الذي إذا ناجته خواطر الإشفاق والإرفاق انشدهما: (قفانبك من ذكرى) المملوك يقبل الباسطة الشريفة، تقبيلا يبرد به الغليل ويداوى بطبه الفكر العليل، وينهي ورود مشرفة تتضمن أمر الحريق الذي حصل بدمشق في هذه المدة، حتى أحرقها بناره، وحف جنتها بالمكاره، وسلّ عليها سيف الضرام، وحكم عليها حكم الدهر على الكرام، وأطلع في وجه شامها لغير الحسن شاما، وكاد يأتي عليها لولا تدارك لطف الله بـ ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ (٣) وهجم على جيرون (٤) فغير وهشتها، وعلى الخضراء (٥) فرمى فرشتها، وعلى اللبادين فكسر قلبها؛ لأنه كان زجاجًا، وعلى الوراقين فما شعرت حتى صارت باللهب كل ورّاق سراجًا، وكل طلحية وقد تفرّق طلحها المنضود، وكل كراسة وقد رد وجوهها البيض وهي سود، واضحى فم الفوّارة يصاعد حجرات انفاس، وسوق النحاسين يرسل منه إلى سور الجامع شواظ من نار ونحاس، وكل محبوبة بالطرائفيين وقد رأت مكروهها، وكل براعة دهماء وقد ابيض بالنار فودها، فلذلك سودت الدوي وجوهها، وغادر كل دكان دكا، فأوسع قوائم العمد وأطلاع السقوف كسرًا وفكّا، واقعد بيت الساعات إلى قيام الساعة، ودخل إلى باب الجامع لكن لغير طاعة، وكان يصلي به من يُصلّي، ويقبل على صف العابدين فيولي، واهتزت المأذنة بحمى نافض وتشعث وجه المشهد ألأبي بكرى فكأنما أصابته عين الروافض، وترقرقت عيون العابدين من الألم، ورق صحن الجامع لمأتم هداة الساجدين من المأذنه بنار على علم، ومازالت مراءاة اللهب حتى خربت المنار، ووصف بعد ذلك في صحن الجامع ما فضل عن أكل النار، فيا لها داهية عمت


(١) تنكز، ابو سعيد، سيف الدين، وكان نائب السلطان بالشام، وكان محمود السيرة، حازمًا مهيبًا، قبض عليه السلطان الناصر وقتله سنة ٧٤٤ هـ، ودفن بدمشق. (الوافي: ١/ ٤٢٠، والبداية والنهاية: ١٤/ ١٨٧).
(٢) انظر خبر الحريق في البداية والنهاية: ١٤/ ١٨٦.
(٣) سورة الأنبياء: ٦٩.
(٤) جيرون، اسم قصر مقابل الباب الشرقي للجامع الاموي، لاتزال اطلاله باقية.
(٥) الخضراء: اسم قصر بناه معاوية بن أبي سفيان، جنوبي الجامع الاموي.

<<  <  ج: ص:  >  >>