تفيض على رحاب النادي، وسرعة إجابة تعاجل صوت المنادي، مع يد في هذا الشأن لا يخونها بنانها، بل يزينها بنيانها.
ومن نثره ما اتعب القرائح في أثره قوله يصف قلعة (١):
ذات أودية ومحاجر، لا تراها العيون لبعد مرماها إلا شزرًا، ولا ينظر ساكنها العدد الكثير إلا نزرًا، ولا يظن ناظرها إلا أنها طالعة بين النجوم بما لها من الأبراج، ولها من الفرات خندق يحفها كالبحر المحيط، إلا أن هذا عذب فرات، وهذا ملح أجاج، ولها واد لا يقي لفحة الرمضاء ولا حرّ الهواجر، وقد توعّرت مسالكه. ولا يداس فيه إلا على المحاجر، يتفاوت ما بين مرآه العليّ وقراره العميق، ويقتحم راكبه الهول في هبوطه، وكأنما ﴿خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (٢).
ومنه قوله ولقد أحسن في وصف القلم فقال:
القلم الذي كم أعان من هو قاريء للحروف، ومن هو لصنوف الضيوف قاري. وهو الراكع الساجد في ملازمة الخمس طاعة للباري، شُقّ لسانه فنطق، وأنار صباحه وهو على جلابيب غسق، ثم خضع له السيف، وزاره معنى تخيله لمامد، وهكذا في الظلام زور الطيف، ولم يزل يعظم ويتسوّد، ويحكى الرمح فيتخطر، والغصن فيتأوّد، ويقيم فلا يقتات، ويسافر فيتزوّد.
ومنه قوله:
فسارعوا إلى انجاد من نازَلَهُ العدو من إخوانكم المسلمين، ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣)، وامضوا عليهم بقدمكم واقدامكم، وانصروا الله بجهادكم واجتهادكم، فانكم ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٤)، وكتاب الله أولى ما عمل به العاملون، قال الله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥).
ومنه قوله:
وقد تجردوا عن العلائق، واشتغلوا بخدمة المخلوق (٦) عن الخلائق، وبرئوا من التكلف، وزهدوا في عرض الدنيا فهم من الذين تعرفهم بسيماهم ﴿يَحْسَبُهُمُ
(١) الوافي بالوفيات: ٢٢/ ٣٤. (٢) سورة الحج: ٣١. (٣) سورة التوبة: ٣٦. (٤) سورة محمد: ٧. (٥) سورة التوبة: ٤١. (٦) كذا في الاصل، ولعله أراد: بخدمة الخالق.