الخدمة في الترجل بين أيدينا لزلزل ركض خيلهم بمصر أطراف العراق، فكان ركوبنا في موكبنا المنصور يوم كذا، وكان يومًا مشهودًا، ووقتًا من مواسم الزمن معدودًا، أربت فيه النعم على الحصر، ورفل به الدين في حلل التأييد والنصر، وسرى إلى أرواح العدا رعبه، وعزّ به في كل افق دين الاسلام حزبه، وتحقق به العدو الذي أملى له أن حركته حركة الذبيح، وجمعه الذي ألفه الشيطان بغروره للتكسير لا للتصحيح، وتضاعف شوقه إلى الجناب العالي في ذلك الموكب الذي أخذ الأولياء فيه من المسرة بأوفى القسم وأوفر النعم، ورفلوا فيه في مطارف الحبور، واتخذوه بينهم عيدا سموه عيد السرور، وقد عجلنا بأعلامه بذلك، لعلمنا بمحبته الصادقة وموالاته التي هي بمحض الصفا ناطقة، ولأنا نعلم بمضاعفة سروره بها، وأدائه نذور الشكر بسببها، فليسرّ الأولياء بإشاعتها، وتتقدم بضرب البشائر في وقتها وساعتها، والله تعالى يضاعف إقباله، ويبلغه من النعم منيته وآماله.
ومنه قوله في تقليد لنائب البيرة (١) بالاستمرار:
وعلم العدو أنه الندب الذي كثرت في سبيل الله أيامه، وما قَصَدَهُ العدو إلا وتمنى الذهاب وحث للهرب الركاب، وقنع من الغنيمة بالإياب، وولى جمعهم الأدبار، ولم يعد إلى أهلهم سوى الأخبار، وما أقدموا عليه إلا وقد علموا القوة من بأسه أنهم لا ينصرون، وما نظروا إليه إلا وقد جعل الرعب من بين أيديهم سدًّا ومِنْ خلفهم سدًا فهم لا يبصرون، وما قاتلوه بعدما قابلوه إلا أن الله طمس على قلوبهم، واخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون. وكم أرسلوا في أيامه إلى الثغر السوابق، فضرب بينهم بسور، وطارت إليهم من كنانة بأسه حمام الحمام بأجنحة النسور، وسرت سراياه في بلاد العدوّ فسبقها الرعب إليهم وأحاط النهب بما لديهم، واستولى عليهم الذعر حتى صاروا يحسبون كل صيحة عليهم، وأطلع على خفايا أحوالهم، فما أجمعوا أمرًا إلا وعلموا به إذ يأتمرون، ولا مكروا مكرًا إلا أظهره الله عليهم، والله أعلم بما يمكرون، وكان فلان هو الذي ماشام معه العدو بارقة ثغر إلا وأمطر (٢) من الوبال بوابل، وأوقعهم من النكال في كفة حابل، فاقتضت الآراء الشريفة أن يزداد أمره تمكّنًا وقدره تحليًا بالنعمة وتزينا، وسره استقرارًا بعلو رتبته وتوطنًا، وثغره تحسبا بما افتر من النعمة وتحصّنا، ولذلك رسم بالأمر الشريف لا
(١) البيرة: بلد قرب سمسياط بين حلب والثغور الرومية، وهي قلعة حصنية (معجم البلدان - البيرة). (٢) في الاصل: امطرتهم.