فلو أمكنَ الشَّمس من خوفها … إذا طَلَعَتْ ما تسمت غزاله
فوثب إليها (١) وثبة ليث قد وثق من حركاتِهِ بنجاحها، ورماها بأوَّلِ بندقة فما اخطأ قادمة جناحها، فأهوت كعود صرع، أو طودٍ صُدع، قد ذهب بأسها وتَذَهَبَ بدمها لباسها، وكذلك القدر يخادع الجو عن عُقابه، ويستنزل الأعصم من عقابه، فحملها بجناحها المهيض، ورَفَعَها عن الترفع في أوج جوها من الحضيض، نزلا إلى الرِّفْقَةِ جَذِلين بربح الصَّفْقَةِ، فوجد التاسع قد مَرَّ به كركي (٢) طويل السفار، سريع النفار شهي العراق، كثير الاغتراب، يشتو بمصر ويصيف بالعراق، لقواديه في الجو هفيفٌ، وأديمُه (٣) لون السماء طرأ عليه غيم خفيف، تحن إلى صوته الجوارح، وتُعْجَبُ من قُوَّته الرياح والبوارحُ، له أثَرُ حُمْرةٍ في رأسه كوميض جَمْر تحت رماد، أو بقية جرح تحت ضماد، أو فص عقيق شقت عنه بقايا ثماد، ذو منقار كسنان، وعنق كعنان، كأنما ينوس على عمودين (٤) من آبنوس [من السريع]
إذا بدا في أفق مُقْلِعًا … والجو كالماء تفاويفه
حَسِبْتُه في لُجَّةٍ مَرْكَبًا … رِجلاه في الأفق مجاذيفه
فصبر له حتى جازه مُجَلِّيًا، وعَطَفَ عليه مصليًا، فخر مضرّجًا بدمه، وسقط مشرفًا على عدمه، وطالما أفْلَتَ لدى الكواسر من أظفار المنون، وأصابه القدر بحبة من حما مسنون، فكثر التكبير من أجله، وَحَمَلَهُ راميْهِ على وجه الأرض برجله، وحاذاهُ غُرنوق (٥) حكاه في زيه وقدره، وامتاز عَنْهُ بسواد صَدْرِهِ، له ريشتان ممدودتان من رأسه إلى خلفه، معقودتان من أذنه مكان شنفه (٦): [من السريع]
لهُ مِنَ الكركي أوصافه … سوى سواد الصدر والراس
إن شال رجلًا وأنبرى قائمًا … الفيته هيأة برجاس
فاصغى العاشر له منصتًا، ورماه مُلْتَفِتًا، فخر كأنّه صريع الألحان، أو نزيف بنت الحان، فأهوى إلى رجله بيدِهِ وأيْدِهِ، وانقض عليه انقضاض الكاسر على
(١) بعدها في حسن التوسل: الثامن. (٢) الكركي: طائر، جمعُه، كراكي (لسان العرب مادة كرك). (٣) في حسن التوسل: الأديمه. (٤) في حسن التوسل: عود. (٥) الغرنوق: طائر أبيض، وقيل اسود من طير الماء، طويل العنق (لسان العرب مادة غرنق). (٦) في حسن التوسل: شنعه، والشنف: القرط.