وإن أقلعت قالت لها الريح ليتَ لي … خفا ذي الخوافي أو قوى ذي القوادِمِ
فانعم بما في البعد زادَ مُسافرٍ … وأَحْسِنْ بها في القُرْبِ تُحفة قادم
فلوى الثالث جيده إليها، وعَطَفَ بوجه قوسِهِ عليها، فَلَجَّت في ترفعها ممعنة، ثم نزلت على حكمه مذعنة، فأعجلها عن استكمال الهبوط، واستولى عليها بعد استمرار القنوط، وحاذتها لغلغة (١) تحكي لون وشيها، وتصف حُسْن مَشْيها، وتربي عليها بغُرَّتها، وتُنافِسُها في المحاسن كضرتها، كأنَّها مدامةٌ قُطبَتْ بمائها، أو غَمامةٌ شَفَتْ عن بَعْضِ نجوم سمائها:[من السريع]
بغرَّةٍ بيضاء ميمونةٍ … تُشْرِقُ في الليل كبدر التمام
وإن تَبَدَّتْ في الضحى خِلْتَها … في الحُلَّةِ الدكناء بَرْقَ الغمام
فنهض الرابع لاستقبالها، ورماها عن فَلَك سعْدِهِ بنجم وبالها، فجدَّتْ في العلو مُغدَّةً، وتطاردت أمام بُنْدُقِهِ، ولولا اطراد الصيد لم تكن لذة، وانقض عليها من يده شهاب حَتْفِها، وأدركها الأجَلُ بخفّة طيرانها من خَلْفِها، فوقَعَتْ من الافق في كفّه، ونفر من في بقايا صفها عن صفّه، وأتت في إثرها أنيسة (٢)، كأنها الغذراء العانِسَة، أو الأدماء (٣) الكانِسَة، عليها خفَرُ الأبكار، وخفّة ذوات الأوكار، وحلاوة المعاني، التي تجلي على الافكار، ولها أنس الربيب، وإذلال الحبيب وتلفت الزائر المريب من خوف الرقيب، ذات عُنق كالإبريق أو الغُصْن الوريق، قد جَمَع صفرة البهار إلى حُمْرة الشقيق، وصدرٍ بهيّ الملبوس، شهيّ إلى النفوس. كأنّما رُقِم فيه النهار بالليل، أو نُقِشَ فيه العاج بالأبنوس، وجناح يُنْجِيها من العطب، يحكى لونه المندل الرطب، لولا أنه حطب:[من المتقارب]
مُدَبَّجةُ الصدر تفويفُهُ … أضاف إلى الليل ضوء النهار
لها عُنُقٌ خالَهُ مَنْ رآه … شقائق قد سيجت بالبهار
فوثب الخامس منها إلى الغنيمة، ونظم في سلك رميه تلك الدرة اليتيمة، وحصل بتحصيلها بين الرماة على الرتبة الجسيمة، وأتى على صوتها، حُبْرَجٌ (٤)، يسبق همته جناحه، ويغلب خَفْق قوادمه صياحه، مدبج المطا، كأنّما خَلَعَ حُلَّة منكبيه على القطا، ينظر من لَهَبٍ، ويخطو على رجلين من ذهب:[من المتقارب]
(١) اللغلغ: طائر معروف «قال ابن دريد: لا أحسبه عربيا» (لسان العرب: مادة الغلغ). (٢) الأنيس أو الأنيسة: طائر حاد البصر صوته صوت الجمل، ومأواه قرب الانهار (حياة الحيوان ١/ ٦٤). (٣) في حسن التوسل: الاماء. (٤) الحبرج: ذكر الحباري، لسان العرب مادة (حبرج).