هذه المكاتبة الى فلانٍ أقالَهُ الله عثرة زَلّته، وأقامه من حفرة ذِلّته، وتجاوز له عن كبيرة (١) فراره من جمع عدوّه على قِلَّتِهِ. بلغنا أمر الواقعة التي لقي فيها العدو بجمع قليل غِناؤُهُ، ضعيف بناؤُهُ، كثيف في رأي العين جَمْعُهُ، خفيف في المعنى وقُعُهُ ونَفْعُهُ، أسرع في مفارقة المجال من الظل في الانتقال، وأشبه في مُماثَلَةِ الوجود بالعدم من طَيْفِ الخيال، يحفّون منه بقلب واجب، ويهتدون من تجريبه وتهذيبه برأي بينه وبين الصواب حاجب (٢)، ويأتمّونَ منه بمقدم يرى الواحد من عدوه كألف، ويتسرَّعُونَ منه وراء مقدم (٣) يمشي الى الزحف ولكن إلى خلف، جناح جيشه مهيض، وطرف سنانه غضيض، وساقة عسكره ضالعة (٤)، وطلائعه كالنجوم ولكن في حال كونها راجعة، تأسف السيوف بيمينه على ضارب، وتأسى الجنائب حوله إذْ تُعَدّ لمحارب فتغدو لهارب، وانه حين وقَعَتْ العين على العين، وأيقن عدوّه لما رآه من عَدَدِهِ وعُدَدِه بمعاجلة الحين، أعجل نُصُولَ العِدا عن وصولها، وترك غنيمة الظَّفَرِ لعداه بعد أن أشرف على حصولها، تُناديه ألْسِنةُ الأسنّة: الكرة الكرة، ولا يلتفت الى ندائها، وتَشْكُو له سيوفه الظمأ وقد رأت موارد الوريد فيعيدها الى الغمود بدائها، فَمَنَح عدوّه مقاتل رجالِهِ، وأباحهم كرائم مال جنده وماله، وخلا لهم خزائن سلاحه التي أعَدَّها لقتالهم، فأصْبَحَتْ معدة لقتاله، فنجا منجى الحارث بن هشام (٥)، وآب بسلامة أعذب منها لو عَقِلَ شُرب كأس الحِمام، واتّسم بين أوليائه وأعدائه بسمة الفرار، وكان يقال: النار ولا العار، فجمع له فراره من الزحف بين النار والعار وعاد بجمع موفور من الجراح، موفّر (٦) من الاثم والاجتراح (٧)، لا علم بما جرى عند أسيافهم، ولا شاهد بمشاهدتهم الوغى غير مواقع الظبى في أكتافهم، فبأي جنان يَطْمَعُ في مُعاوَدِةِ عدوه، وهذا قلبه، وهؤلاء حزبه؟ وذلك القتال قتاله (٨)، وتلك (٩) الحرب حربه، وبعد، فإن كانت (١٠) له حميّة تظهر (١١) آثارها، أو أريحية
(١) في الأصل: كبير، واثبت ما في حسن التوسل. (٢) في حسن التوسل: ألف حاجب. (٣) في حسن التوسل: مقدام. (٤) في حسن التوسل: ظالته. (٥) الحارث بن هشام المخزومي، كان شريفًا مذكورًا، شهد بدارًا مع المشركين، فكان فيمن انهزم مغيره حسان بن ثابت فقال: [من الكامل] إن كنت كاذبة الذي حدثتنِي … فنجوتِ منجى الحارث بن هشام انظر: نسب قريش ص ٣٠١. (٦) في حسن المحاضرة: موقور. (٧) في الاصل الاحتراع، ولم ترد في حسن التوسل. (٨) في حسن التوسل: قباله. (٩) في الاصل: وذلك، وأثبت ما في حسن التوسل. (١٠) في الاصل: كان. (١١) في حسن التوسل: فستظهر.