لو كان في شرف المثوى بلوغ منى … لم تبرح الشمس يومًا دارةَ الحَمَل
والحركة ولود، والسكون عاقر، وقد ورد أن الله رحيم بالمسافر، وأنه للخضر ﵇ خليفة، وناهيك شرفًا بهذه الرتبة المنيفة، ولا إنافة على رتبة الخلافة، والسيف إن قرّ في الغمد صدي والليث لولا الوثوب ردي، ولو يستوي بالقيام القعود لما ذكر الله فضل الجهاد، ولولا انتقال الدرر عن البحور لما عوضت من الحور بالنحور، وكثيرًا ما ورد في الكتاب العزيز النهي عن التباطؤ والحث على الإسراع:[من الوافر]
وليست فرحة الإياب إلا … لموقوف على ترح الوداع
[من الخفيف]
إنَّ فيه اعتناقة لوداع … وانتظار اعتناقة القدوم
وهذا وكم بين رتبة الاتباع ورتبة الاختراع والابتداع وبين جود الروية وتوقد الابتداء، وكلالة الرقاد وحدة الانتباه، وشتان ما بين عقلة المشيب ونشطة الشباب، وحسبك بأنك ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (١)، وقد علمت فائدة الإسراع بمن لا علم عنده ومن عنده علم من الكتاب، وبحركة النبض يستدلّ على حال القلب، ولولا إدامة الترويح عليه لغم من الكرب، ولا يقاس موقف المأموم بمقام الإمام، وإذا كانت الشجاعة في الإقدام كذلك السلامة في الإنهزام، وقد جعل الله ﷾ الملائكة دائمة الحركات، وأرسل الرياح منشرات وللسحاب مسيرات، وبأرزاق العباد جاريات، وأقسم ﷾ بالعاديات المرسلات، وللإسراع سخر لمحب الخير ﵇ الريح والطير، هذه غدوها شهر ورواحها شهر، وهذه تستطلع له انباء الملوك فتستنزلهم على حلك الذل والقهر، ولذلك درجت الملوك الحمام ورتبت البريد فبلغت بهما في الوقت القريب ما زيد من غاية المرام البعيد، وقرّبت لهم مستبعدات المطالب وأطلعتهم بسرعة الاعلام على نهايات العواقب، فبلغت هذه بسرعة إيصال البطائق ما لم يكن أحد من البشر بطائق، وارتفعت محلقة في الهواء، وحَلَّقتْ مسخّرةً في جوّ السماء، وما خَفَقَتْ بأجنحتها إلا وَقَدْ وافت بالبشرى مخلقة، وما اخفقت وما خضبت كفها وتطوّقت إلا للسرور وصَفَقَتْ، وما حفظت العهود من الأسرار وما ردّها الحنين الى الادكار، ما قطعت