وبعد، فقد عرض بالديوان العزيز كتابك أيها الزعيم، وخطابك وأمير المؤمنين عليم، وشرحت ولاءك وذلك حبلك الوثيق، وكذلك إخلاصك القديم، وانماؤك الى الباب الأشرف، وهذه عقيدة أخذتها عن سلفك، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (١)، نعم ولا يلقنها الا ذو فعل كريم من ذي سلف كريم. وبرز الأمر الأشرف عن الديوان العزيز بتلقي واردك بالكرامة التي عدّيت بها رتبة كل نظير، وأصبحت وعلى رأسك شربوش وتاج، وأنت صاحب تخت وسرير، وستجاب من ديوان الوزارة المشرفة مفصلا عن فصول كتابك، وحسبك حسبك شرفًا تتشرف به من الديوان العزيز، إذ كان هذا من خطابك.
ومنه قوله:
وأنهى امر الجزري إلى أنه قلع قَلْع الجزر، وأغناه ما تكهن أو حزر، وهذا معجل كل مائق، وله مؤجل يأتيه يوم تقوم الخلائق.
ومن نثره قوله في تقليد قاض:
وأرفع المناصب وأعلاها، منصب الحكم العزيز، الذي يجتبي الشرع في ندبه ويجتني السمع ثمرات كل شيء من جنبه، ويعرف بها الحلال والحرام، ويتصرف في أمر ذي الجلال والاكرام، وان أحق من ألقى زمام أحكامه إليه من تفرد بما لديه وفاز بسهم معلى من العلوم، وأخَذَ من فنونها بنصيب معلوم، دأب نفسه في تحصيل نفائسها، واجتلاء غرائسها، فكم من أحاديث نبوية يعرف السقيم فيها من الصحيح، والعدل من رجالها من الجريح، وعَلِم الرواية على تشعبها والأسانيد وطرقها في حالتي تسهلها وتصعبها، وكم تفاسير كشف حقائقها، ومشكلات تأويل أظهر بحسن إيضاحه طرائقها، وكم فروع مسائل أصلها، وأصول فقه حواها وحصلها.
وكنت أيها القاضي فلان لك فخر بعلم علمها لا يباهي، وورع لا تُماثل فيه ولا تضاهى، وافادة ينصب الطلبة لاستفادتها، وتشره الأسماع لحسن إيرادها واستعادتها، فلذلك أعهد عليك في القضاء بمدينة كذا، وألق من علومك ما يلاقى من أجله ذوو الطلبة للاستفادة واعلم انك حصلت على السعادة الدنيوية، فاعمل على الأخروية، فإنها أغلى السعادة، وأجر على عادتك [في] التحرز في الأحكام، وأمض على سنتك في الاحتياط في كلّ نقض وإبرام، وارع يراعك كل ما يفتقران يرعى،