الطيب عرفًا، بعبارة صاغها بلطافة أعْجَب من الفريد، وأعجل في القلوب تأثيرًا من لواحظ الغيد.
ومن نثره قوله
من كتاب كتبه الى الديوان العزيز مع رأس طغرل (١): وصل بغداد في الرابع والعشرين من ربيع الاول سنة تسعين وخمسمائة، افتتحه بقوله تعالى: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ (٢) قال فيه:
وردت المراسم الشريفة بردع ذلك المارق الخائن، والمنافق الحائن، الذي استمرأ مرعى بغيه، واستعذب آجِنَ غيّه، وأدْلَج في ليل ضلالته وخبط في عشواء جهالته، شاربا من آسن الطغيان نهلًا وعلًا، غير مراقب الله ذمة ولا إلا، مستسهلًا للخطر الحسيم، مغترًا بحلم الحليم غير مبال بانسلاخه من الدين، وخروجه عن زمرة المسلمين، نَبَذَ أمر الله وراء ظهره، ولم يخش أليم عذابه، ولا راقب وبيل عقابه، فراسله الخادم داعيًا له الى الطريق اللاحب، ومشيرًا عليه باعتماد الواجب، مهيبًا به الى طاعة الامام وعارضًا عليه تجديد الاسلام، او الاستعداد للمصاف، والرجوع على حكم الأسياف، فخيره بين هذين الأمرين، وحكمه في أحد القسمين، وكلاهما عنده خطّة خسف ومورد حتف، فلما أبى إلا إصرارًا على خطيئته وامرارًا لحبل منيته، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٣)، دَلَفَ إليه الخادم في كتيبة شهباء من جنود الامام، مقنّعة بالزرد المحبوك، محتفة بالملائكة، محفوفة بالملوك، يتألق حديدها، وتتذامر أسودها وتئن كالجبل العظيم، والليل البهيم، ضاربة رواقات العجاج، ممتدّة الأطناب في الفجاج، وكأن ظللها ليل، ولهاذم الرماح نجوم، ودخان الأسنة نار، والصوارم جحيم، وكأن رماحها آجال إلا أن المنايا في أوائلها، وحديدها نار إلا ان المنايا تجول في مناصلها، ولم تزل تزحف وفوقها جيش من النسور والعقبان، وتدأب وبين أيديها جيش من السباع والذوبان، وارثها شخص المنون وهو عريان، إلى ان وافى ذلك المخذول، وقد جمع للقاء، واستعد في جيش جم تضيق بهم البيداء قد استلاموا للقتال واستلموا كعبة الضلال، إلا ان الله صب عليهم الخذلان لما تراءى الجمعان، وبرز الكفر الى الإيمان، فتلا
(١) طغرل شاه بن ارسلان بن طغرل، آخر ملوك السلاجقة في الشرق، خرج على الخليفة الناصر العباسي فقاتله خوارزم شاه في الري وقتله وارسل رأسه إلى الناصر سنة ٥٩٠ هـ (الوافي بالوفيات ١/ ٤٥٦). (٢) سورة النحل: ٤٠. (٣) سورة الرعد: ٣٣.