القاضي الواصل إلى مصر، ولم تزل أيادي المجلس تتصل إلى أوليائه قربوا أو بعدوا، وقصروا في الخدمة أو اجتهدوا، ووقف على الكتابين الكريمين اللذين قبلهما على أنهما يدان واهتدى بهما على أنهما فرقدان، وإن لم يكونا يدين يُقبل ظهرهما فإنهما يدا نِعَم يجب شكرها، وإن لم يكونا فرقدا ليل أنارا في سواد، فأنهما فرقدا نهار أنارا في مداد، وما يخرج عن تلك اليد، ولا يصدر عن ذلك الصدر إلا كل ما تكشف به الأنوار، وتروح به الأسرار، وتُجلب به المسار، وتجدد به المبار، ويبقى به شَرَفٌ لا يخلق جديده جديد الليل والنهار (١)، وأوْرَدَ نجم الدين من الأحوال هناك والضرورات إلى الكبير والقليل، وحسن السيرة المشتملة على الجميل، وأنه بمصر أدام الله ظله على مشقات العفاف، ويسلك لنفسه القصد، ويعطى منها الاشراف، وأن كرمه لا مادة له ولا حاصل، ورواتب نفقاته لا أصل لها ولا واصل، وكُلَفُ خرجه لا محمول له ولا حامل، وذكر ذلك في كل مشهد حضره، وفي كل موقف وقفه، وبين يدي كل كبير عرفه ورقاه إلى العلم الناصري فأثبته فيه ومكنه وكشفه، وتبع هذا الفقيه نجم الدين رأي أبيه ﵀ في خدمة هذا البيت الذي كان يتعبد به، ولولا الغلو، لقلتُ وكان يعبده، ومضى شهيدًا في جنة رحمته مستشهده، ووجب أن يَلْحَظَهُ المجلس بعين صاحب سابق، ومحبّ صادق، وذي سريرة لا يخجل بها الواثق، وذي كفاية ينفذ في الأمور نفاذ السهم المارق، فما كل صاحب له وجاهة في كل مكان، وإن كانَتْ له وجاهة فقد لا يكون له جنان، وإن كان له جنان، فقد لا يكون له لسان، وإن كان له لسان فقد لا يكون له بيان، وهذا يجمع هذه الشرائط، ويحضر في عقود المجالس فيكون فيها مكان الوسائط، ويقي لسانه وقلبه بادراك الفوائد واستدراك الفوارط، فهو أحق عبد تضم على رقه، وأولى ولي يجازى بتصديقه، وسبقه، على أن الآمال العظيمة، والمطالبة الكريمة تبلغ به الهمة الفخرية بأيسر العزمات، وأدنى الحرمات، ولم يذكر في هذه الاجابة ما ذكر من أمره إلا أن كثيرًا من الرسل الواردين والأصحاب الوافدين، يسعى في قصد مرسله ومقصده، وهذا سعى لمرسله بمفرده، وما جَعَلَ حظ نفسه وغاية قصده إلا الخدمة، وبلوغ غرضها، وشكر النعمة والقيام بمفترضها، وإذا وردت الكتب الفخرية جدّدت نور ودها فخرا وفرضت على لساني مع شكره الذاتي شكرا، وعلى القلب موالاة إلى موالاة أُخرى، وَرَدَتْ على المملوك مكاتبة كريمة، رَفَعَها حيث تُرفع العمائم، ومد
(١) بعدها في الأصل: «وانه بمصر أدام الله ظله» وشطب عليها.