للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أما بعد، فإنّه عرضت بحضرة أمير المؤمنين مكاتيبك التي أديت بها واجب حقه وقمت بمفترضه، وصدرت عن قلب شفاه الدين بهديه من داء الضلال ومرضه، وتؤملت بمقر جلاله، ومحل أمانته التي منح الله بها الدين مزية كماله، فصرف إليها أمير المؤمنين سمع الإصغاء وطرفه، وعرف منها أَرَجَ الولاء الصادق وعرفه، ووقف عليك من لطيف ملاحظاته ما يديم النعم، وأهدى إليك من شريف دعواته ما إذا حَصَلَ لك جمع المسلمين عم، فأما تلقيك أوامره بالامتثال، وأضربت عنه الأمثال وتجريدك العساكر التي شدّت متن الموحدين، وشادت مباني الدين، ونكص العدو بخبرها قبل نظرها، وانصرف عن بلاد الاسلام بأخزى خجلة وأظهرها، وتقديمك عليها مِمَّنْ ارتضاه أمير المؤمنين لارتضائك وانتضاه في يد الحق تيمنًا بانتضائك، وأمضى عزمه في تقليد ملكه إذ علم أن عزمه مشتق من مضائك فقد شكر الله وأمير المؤمنين لك أيها الملك العادل هذا الأثر، وذَخَر لك منه حَسَنَةً لم تبسم عن مثلها ثغور الصحائف والسير، وميزك على ملوك الشرق والغرب بفضل هذا النظر، ونَصَرْتَ الدين الحنيف والبيت الشريف، وعند مآثرك الحسنى نشهد بها فتغني عن الإفصاح والتعريف، وهَدَمْتَ الباطل حين أُرْيَتْ خيامُه. وثبّت الحقَّ حين هَفَتْ أعلامه، واخترت لخدمة أمير المؤمنين من هو مكان الاختيار وفوقه، وحملت العبء الثقيل من يستقل به ويحمل أوقه، وقلّدت الأمر الجليل مَنْ لا يعجز قدرته وطوقه، ووردوا إلى الفناء النبوي بيض الوجوه بنصر واضح، شم الأنوف بتفريج غمرة الخطب الكالح، جذلى القلوب بصفقة العمل الرابح، ظاهرة عليهم آثار آدابك الحسنى، بادية فيهم أنوار صوابك الذي ليس فيه مستثنى، ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (١). وقد كانت جنايات من تقدم نظره، عظمت عن الاحتمال، وتجاوزت إلى الدين بعد أن تجاوزت المال، وظهرت امارات استنصاره بمن استنصر به بالأمس، وتعويله على مانزّه الله أمير المؤمنين أن يكون به راضي اللسان والنفس؛ لأن الله استخلفه لاستقامة كلمة جدّه، واكتفى بهديه وهدي آله عن ان يقفى برسول من بعده، وحينئذ بدت للمشار إليه سوءاته، وأحاطت به خطيئاته، وقصرت في مجال الحياة خطواته، ولقى عن كثب حتفه، وأصبح نكالًا لما بين يديه وما خلفه، فهنالك أجمع أمير المؤمنين والمؤمنون على تقليد السيد الأجل الملك المنصور، ولي الأئمة، محيي الأمة، سلطان الجيوش أسد الدين، كافل قضاة


(١) سورة آل عمران: ١٧٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>