الزلال من رتق قلمه، وتُلْتَحَفُ الظلال بِسُحُبِ نِعَمِهِ، وله في الانشاء تفنن منه ما يروع الخيل صهيلا، ومنه ما يروق عَذْبًا سلسبيلا، يفت العنبر على سطوره، ويفوت الجوهر طلّ منثوره، تعقد رسائله راحًا براح، وجني جناته بجنى التفاح، وتلتقط في مهارقه بنفسج من أقاح، أطرب من مناجاة الندام، وأطيب من معاطاة المدام، طالما كتب جمانًا، وكبت أغصانًا ولان فاجتني عسلًا، وقسى فانبرى عسلًا، يَسْجَع كالحمام، ويصرع كالحمام، وقد سُطّرت بحسناتِهِ الصحف، وصدرت من حسانه درات القلائد والشنف، وطَرَق النَجْدَ والوادي ونطق به المداح والحادي، وحاضر به الحاضر والبادي، وسامَرَ بهِ السامر، وترنّم الشادي، وغادر له الأرض مذهبًا مذهبًا، وغادى الغوادي مصوبا ومصوبا، وسار مُقربا مقربا، وصار للمشرق مشرقا، وللمغرب مغربا، فأما ما يؤثر عن أقلامه، فهو النافث للسحر في عقدها، والمنوّر للأبصار بكحل إثمدها، فَضَحَ الزهر بكلمه، وفتح الأقاليم بقلمه. وكتب فيما لا يعقبه ندم، وبارى قلمه السيوف ففعل أكثر منها ولم يتلطخ بدم، كم نكس رماح الكفر فقصم أصلابها، وفَصَمَ أسبابها وعراها بأسطرِهِ فَفَلَّ جيوشها وثل عروشها، وحط صلبانها وحَطَمَ فرسانها، وأعاد بِيَعَها مَساجِد، وصوامعها معابد، وبدل الكفر بالإيمان، وأسكت الناقوس للآذان، وعزل مكان الانجيل للقرآن، وقسى على القساوسة وأرهب الرهبان، وكاتب الخلافة فكانت سطوره حِلية شعارها، وسواد مداده سؤدد فخارها، وتأخر السهم وتقدم، وحرس مُجاوِبُهُ فلما كلمه تكلّم، وحضر مواقف الحرب، فكان فارسها البطل، ورأيه سيفه الضارب، ومواضع الحصار، وكان منجنيقه الرامي، ويراعه سهمه الصائب، وكان هو المحرك للعزائم النورية (١) على تطهير مصر من دنس أولئك الضلال (٢)، ودرن تلك الأيام والليال، بل كانت أشدّ من الليالي، لتراكم ظلام تلك البدع، وتفاقم ضلال ذلك الدين المبتدع.
ولقد كان وهو في ديوان تلك الدولة يتحرق على كشف بدعها، وكف شُنَعها، وكر جنود الله على شِيَعِها، ووقفت على قصيدة كتبها إلى الشهيد نور الدين بن زنكي يقول فيها (٣): [من الطويل]
وما بعد مصر للغنى متطلّب … وما بَعْدَ هذا المال مال فيكتسب
(١) إشارة إلى الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر الذي ملك دمشق والبلاد الشامية ثم سير أسد الدين بن شيركوه إلى مصر فملكها نيابة عنه وأخباره كثيرة. انظر: وفيات الأعيان ٥/ ١٨٤. (٢) يريد بهم الفاطميين. (٣) ديوان القاضي الفاضل ٤١٧.