وحضر بعده [أصحاب](١) الشيخ [أبو] الطيب ﵀، وما منهم إلا أغرّ نجيب، وحضر بعدهم أصحاب الشيخ الفاضل ابي الحسن الماسرجسي، وكل إذا عُدَّ (٢) الرجال مقدم، وحضر بعدهم أصحاب الاستاذ أبي عمرو البسطامي، وهم في الفضل كاسنان المشط، ومنه باعلى مناط العقد، وحضر بعدهم الشيخ أبو سعد الهمداني، وله في الفضل قدحه المعلّى، وفي الادب حظه الأعلى، وحضر بعد الجماعة أصحاب الأسبلة [المرسلة](٣)، والأسوكه المرسلة، رجال يلعن بعضهم بعضًا، فصاروا إلى قلب المجلس وصدره، حتى رد كيدهم في نحرهم، وأقيموا بالنعال إلى صف النعال، فقلت لمن حضر: مَنْ هؤلاء؟ فقالوا: أصحاب الخوارزمي، فلما أخذ المجلس زخرفه ممن حضر، وانتظر أبو بكر فتأخر، اقترحوا علي قوافي أثبتوها، واقتراحات كانوا بيتوها:[من الهزج]
فما ظنك بالحلفا … ء أدنيت لها نارا
من لفظ إلى المعنى نسقته، وبيت إلى القافية سقته على ريق لم أبلغه، ونَفَسٍ لم أقطعه، وصار الحاضرون بين إعجاب بما أوردت، وتعجب مما أنشدت، وقال أحدهم بل واحدهم، وهو الامام أبو الطيب، لن نؤمن لك حتى نقترح القوافي ونعين المعاني، وننص على بحر، فإن قلت حينئذ على الروي الذي أسومه وذكرت المعنى الذي ارومه، وأنت حي القلب كما عهدناك، منشرح الصدر كما شاهدناك، شجاع الطبع كما وجدناك، شهدنا انك قد أحسنت، ولا فتى إلا أنت، فما خرجت من عهدة هذا التكليف حتى ارتفعت الأصوات بالهيللة من جانب، والحوقلة من آخر، وتعجبوا إذ ارتهم الايام ما لم تُرِهم الأحلام، وجَادَ لهم العيان بما بخل به السماع، وأنجزهم الفهم، ما أخْلَفَهم الوهم، ثم التفت فَوَجَدْتُ الأعناق تلتفت، وما شعرت إلا بهذا الفاضل وقد طلع في شملته، وهب بجملته، بأوداج ما يسعها الزران (٤) وعينين في رأسه تزران، ومشى إلى فوق رقاب الناس، وجعل يدس نفسه بين الصدور يريد الصدر، وقد أخَذَ المجلس أهْلَه، فقلت: يا أبا بكر تزحزح عن الصدر قليلًا إلى مقابلة أخيك، فقال: لست برب الدار فتأمر على الزوّار، فقلت: يا عافاك الله، حضرت لتناظرني، والمناظرة اشتقت أما من النظر وأما من النظير، فإن كان اشتقاقها
(١) الزيادة عن الرسائل. (٢) في الأصل: وكل أعد. (٣) الزيادة عن الرسائل. (٤) الزران مثنى زر بالكسر، وهو ما يوضع في القميص.