تعريفًا عليه، ودعا به بين ندمائه، ثم أطلق عليه، فكان أشهر أسمائه، وكان إذا غنى أوقف الطير، وعقل المنطلق على السير، فرغ لها باله، وهيج بلباله حتى أتقنه إتقانًا صار به علمه عنده مستقرًا، وعمله عليه مستمرًا، وعمل فيه أعمالًا نقلت، وأطلقت يده التي على العود عقلت.
وحكي أنه حجّ، وأتى منى، فوقف عد جمرة العقبة، وقد كظ المحصب، وبان البنان العاطل والمخضب، وقد شغل الأيدي حصى الجمار، وملأ العيون سنى الأقمار، ثم اندفع يغني، فانصرف إليه كل نظر، وبقي دأب كل من حضر؛ فلما فرغ من صوته، عاد إلى رمي الحصاب، وعرف العاطل من ذات الخضاب.
ومن أصواته: [من الطويل]
خصيم الليالي والغواني مظلمُ … وعَهْدِي والغواني مُذمَّمُ
رأيتُ سواد الرأس واللهو تحيةٌ … كَلَيلٍ وحلم بات رابيه ينعم
وصفراء بكر لا فداها مُغَيَّبٌ … ولا سِرُّ مَنْ خَلَّتْ حَشَاهُ مُكَتَمُ
هيَ الوَرسُ في بِيْضِ الكؤوس فإنْ بَدَتْ … لعينيك في بِيْضِ الوُجُوهِ فَعَنْدَمُ
سَقَتْني بها بيضاءُ فَوْها وكَأسُها … شَبِيهًا مَذاقًا عندَ مَنْ يتطعَمُ
مِنَ الهِيفِ لو شاءَتْ لقامَتْ بكَأْسِها … وخاتَمُها في خَصْرِها يتختم
والشعر لابن الرومي (١) والغناء فيه.
وجملة هذه القصيدة التي منها الصوت جميلة منها في المدح (٢):
بنُو مُصْعَبٍ فينا سَماءٌ رَفِيعَةٌ … لها دُرَرٌ ليستْ يَدَ الدَّهْرِ تُعدَمُ
سَماءُ أَظَلَّتْ كُلَّ شيءٍ وأَعلمتْ … سَحَائِبَ شَتَّى صَوْبُها المالُ والدَّمُ
ليمدَحَكُمْ مِنَ شاء جهدَ مَدِيحه … فللشعر فيه بعده متردمُ
أناس إذا دَهْرٌ تبسَّمَ مَرَّةً … فَعَنْهُمْ وعَنْ آبائهم يتبسم
يُرَى أَبَدًا فيهم جوادٌ مُعذل … وليس يُرَى فيهم بخيلٌ مُلَوَّمٌ
ولم أَرَ مالًا حازَهُ مِثْلُ عَزْمِهِمْ … يَرُوْحُ ويَغْدُو وهُوَ نَهْبٌ مُقَسَّمُ
تحكم في أَمْوَالِهمْ مَنْ أَطَاعَهُمْ … وأَسيافهم فيمنْ عَصَى تتحكم
(١) ديوانه ٥/ ٢٠٩١ - ٢٠٩٢.
(٢) الأبيات الثمانية الأولى أخل بها ديوانه، وما بعدها في الديوان ٥/ ٢٠٩٧ - ٢١٠٠.