يا مرناجية السلامُ عليكُمُ … قبلَ الرَّوَاحِ وقبل يومِ العُذْلِ
لو كنتُ أعلم أن آخر عَهْدِكُمْ … يومُ الرَّحِيلِ فَعَلْتُ ما لَمْ أَفْعَلِ
أَوْ كُنْتُ أَرْهَبُ وَشْكَ بين عاجل … لقنعتُ أَوْ لسألت ما لم أَسْأَلِ
والشعر الجرير (١)، والغناء فيه، وهذه من طنانات جرير ومنها في هذا:
أَعْدَدْتُ للشعراء سُمًّا ناقعًا … فَسَقِيْتُ آخِرَهُمْ بكأس الأَوَّلِ
لمَّا وضَعْتُ على الفَرَزْدَقِ مَيْسَمِي … وعلى البَعِيثِ جَدَعْتَ أَنْفَ الأَخْطَلِ
أخْزَى الذي سَمَكَ السماءَ مُخَاشِعًا … وبنى بناءك بالحضيض الأسفل
فامدح سَرَاةَ بَنِي فقيمِ إِنَّهُمْ … قَتَلُوا أَباكَ وتَارُهُمْ لَمْ يُقتل
ودع البَرَاجِمَ أَنْ شَرَّكَ فيهُمُ … مُرٌّ عواقِبُهُ كَطَعْمِ الحَنْظَلِ
بات الفرزدق يستجيرُ لنفسِهِ … وعَجانُ جَعْتَنَ كالطَّرِيقِ المعمل
أين الذين عددت أن لا يدركوا … بمجرجعن يا ابن ذاتِ الرّمل
أسلمت جعثن إذ تُجَرُّ بِرِجْلِها … والمنقري يدوسها بالمنشلِ
تهوي استها ويقول يالَ مُجاشِع … ومَشَقُّ نقبتها كعين الأقبل
لا تذكروا حُلَلَ المُلوكِ وأَنْتُمُ … بعدَ الزُّبير كحائض لم تغسل
ما كان ينكرُ في يدي مجاشعٌ … أَكل الخزير ولا ارتفاع الفيشلِ
حكي أنه ممن كان محمد بن عبد الرحمن خليفة الأندلس يحلفه برعايته، ويلحظه بعنايته، وكان قد سافر عنه مدة أطال شقتها، وحمل وقرأ عبابه شقتها، ثم أن له العود إلى ذلك الندى، وقرب بحيث شم سوابق عرفه الندي، ولم يبق إلا مرحلة يقطعها، وسوط مطية تمتد به أذرعها، فهاجه قرب الدار إليه شوقًا، وطار به إليه سوقًا، فصنع لحنًا في شعر الحسين بن مطير (٢): [من الطويل]
ولمَّا تَنَكَّبْنا الكَثِيبَ وأَطْلَعَتْ … لنا السُّدَّةُ العلياء قلت لصاحبي
أَلَا فانشرح صدرًا فلم يَبْقَ بَيْننا … وبينَ المُنى إلا كَنَاخَةِ راكب
ورفع عقيرته تغني في النداء، وصاغه بين غناء الركبان والحداء، وسمعها في النفر من منه حفظها، وأدّاها كما منه تلفظها، فما أتى وضيح باب محمد بن عبد
(١) دوانه ٤٨٩ - ٤٩٢.
(٢) أخل بها شعره.