[١٣٩] علي بن أبي الحرم، هو الإمام الفاضل، الحكيم العلامة، علاء الدين بن النفيس القرشي الدمشقي (١)
فرد الدهر وواحده، وأخو كل علم ووالده، إمام الفضائل، وتمام الأوائل، والجبل الذي لا يرقى علاه بالسلالم، والحبل الذي لا يعلق به إلا الغريق السالم، لم يبق إلا من اغترف منه غرفة بيده، وأخذ منه حلية لمقلده، حل مصر في محل ملكها، ونسخت لياليها بإشراقه صبغة حلكها، وقرأ عليه بها الأعيان، وكلأ فضله وأعان، ولم يكن في علم واحد بمقتصر، ولا شبهه بالبحر إلا مختصر هذا إلى حسب غير مرؤوس، وحسب مثل جناح الطاووس، وشرف قرشي لا يحل معه في بطحائه، ولا يحث في البيد قلاص بطائه، زكا محتدا، وزها بيتا لم يضرب غير متوسط السماء وتدا، وكمل ذاته بكرم وخير، ومجد في أول وأخير، ومزايا استحقاق، وسجايا كحواشي النسيم الرقاق، ومحاسن كطوالع النجوم ما فيها شقاق.
قال ابن أبي أصيبعة: نشأ بدمشق، واشتغل بها في الطب على المهذب الدخوار، وكان الدخوار منجبا تخرج عليه جماعة منهم الرضي، وابن قاضي بعلبك، والشمس الكلي، وكان علاء الدين إماما في علم الطب لا يضاهى في ذلك، ولا يداني استحضارا واستنباطا، واشتغل على كبر، وله فيه التصانيف الفائقة والتواليف الرائقة، صنف كتاب «الشامل» في الطب تدل فهرسته على أنه يكون في ثلاثمائة سفر، هكذا ذكر بعض أصحابه، وبيض منها ثمانين سفرا، وهي الآن وقف البيمارستان المنصوري بالقاهرة، وكتاب «المهذب في الكحل»، وشرح «القانون» لابن سيناء في عدة أسفار وغير ذلك في الطب، وهو كان الغالب عليه.
وأخبرني شيخنا أبو الثناء محمود أنه كان يكتب إذا صنف من صدره من غير مراجعة حال التصنيف وله معرفة بالمنطق وصنف فيه مختصرا، وشرح «الهداية» لابن سيناء في المنطق، وكان لا يميل في هذا الفن إلا إلى طريقة المتقدمين كأبي نصر وابن سيناء ويكره طريقة الأفضل الخونجي والأثير الأبهري، وصنف في أصول الفقه والفقه والعربية والحديث وعلم البيان وغير ذلك، ولم يكن في هذه العلوم بالمتقدم إنما كان له