للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قضاء القضاة بمصر وأعمالها.

ومنهم بنو فاته:

أهل بيت تناسقوا في الفضائل، وتناسبوا في كرم الشمائل، وتناسلوا لا تكذب فيهم المخايل كأنما توالدوا من ظهر اقلنينوس، أو تعاقدوا على حل مشكلات جالينوس. لو جلسوا في رواق أرسطو لسطا بهم في النظر، وسما بهم إلا أنه يرضى حيث القمر.

وأولهم:

[١٣٣] أبو سليمان، داود بن أبي المنى بن فاته (١)

وكان في أهل ملته يأوي إلى جناب منيع، ويهمى بسحاب لا يجحد له حسن الصنيع، وهذا إلى فهم ثاقب، وعزم لا يوني في طلب المناقب.

قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان طبيبًا نصرانيًا من أهل القدس حظيًا عند الخلفاء، فاضلًا من فضلاء الأطباء، وأخذه الملك ماري من مصر إلى القدس ليقيم عنده به، ولما وقع الفقيه عيسى عنده في الأسر مرض مرضًا أشفى منه، فأمر ماري ابن فاته بمعالجته فلما رآه مثقلًا بالحديد في قعر الجب، قال لماري: هذا رجل ذو نعمة ولو سقيته ماء الحياة على مثل هذه الحالة لم ينتفع به، فأطلقه من الحديد والجب، وأكرمه فإن ذلك كاف في علاجه، فقال له: هذا عليه قطيعة كثيرة وأخاف أن يهرب، فقال ابن فاته: أيها الملك سلمه إلي وضمانه علي، فقال له: تسلمه، فإذا جاءت قطيعته لك فيها ألف دينار، ثم أخذه إليه وفك حديده، وأخلى له موضعًا من داره وبالغ في إكرامه، فلما مضت ستة أشهر أمره ماري بإحضاره فأحضره، فوجد قطيعته قد جاءت في أكياس فأعطي ابن فاته منها كيسًا فيها ألف دينار كما وعده وأطلق سراح الفقيه عيسى، فقال ابن فاته: أيها الملك هذه الألف دينار قد صارت لي، وأتصرف فيها تصرف الملاك في أملاكهم؟ قال له: نعم، فأعطاها للفقيه لوقته، وقال له: أنا أعرف أن هذه القطيعة ما جاءت وقد تركت خلفك شيئًا، وربما استدانوا لك فيها، فاقبل مني هذه في نفقة الطريق فقبلها منه.

وكان ابن فاته عارفًا بالنجامة ورأى أن صلاح الدين سيدخل القدس من باب الرحمة فبعث ولده أبا الخير إليه مبشرًا بذلك، فأجازه جائزة سنية، وأعطاه علمًا أصفر ونشابة لأمانة، فلما دخل صلاح الدين إلى القدس دخل الفقيه عيسى داره، وحماها أن تنال بسوء هي وجميع ما جاورها.


(١) ترجمته في: عيون الأنباء ٥٨٧ - ٥٨٩.
(٢) عيون الأنباء ٥٨٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>