للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

النفيس أكثر، ومن مدده استكثر، أتقن الحكمة والطب وأخذ من كل فن بطرف، وأذعن كل فاضل له واعترف، وكان يحفظ غالب ديوان أبي الطيب المتنبي بل كله، وينشد منه، ويستشهد به في موضعه إذا تكلم، وخدم السلطان، وتقرر لديه فضله، واستقرر في كل خاطر أنه لا نظير له في الدهر، وتنافست الأمراء وأكابر الدولة في معالجته. وكانت الأطباء إذا اختلفت في حدس مرض أو وصف دواء، عادوا إلى رأيه ورجعوا إلى قوله، فإذا قال سكت كل قائل، وسلم كل منازع، وكانوا إذا عرض للسلطان مرض وحضروا عنده تقدم السديد فأمسك يد السلطان، وجس نبضه قبل الرئيس، وقبل كل واحد. وكان الرئيس هو السائل عن الأعراض بحضوره ثم تحصل الشورى بينهم على ما يوصف، ويكون مدار الكل على كلام السديد واعتماد السلطان عليه دون الكل.

وكان السديد رجلًا عاقلًا ساكنًا لا يكاد يتكلم حتى إذا تكلم كان البحر الزاخر والسيل المنحدر والضرام المتقد والأسد الصَّوَّال إلى نقول يستحضرها، وبحوث يحررها، وتجارب يذكرها، وكانت له يد في علم الموسيقى والطرب.

رأيت ابن كر يصفه ويثني على علمه، وينصفه. وكان على هذا الفضل الغزير والمدد الوافر لا يتوسع في الوصف للإعلاء، ولا يخرج عن الجادة، ولا يعدل عن المعهود، ولا يرى التفقه في الطب كما كان عليه فرج الله بن صغير. وكان السديد اجتهاده لنفسه، وفرج الله اجتهاده للعليل. على أن السديد كان إذا لم يشاركه طبيب آخر يطبب تطبيبًا مستقصى، وإن لم يتوسع فأما إذا شورك سكت وجمد واكتفى بقول المشارك له، وإن كان عنده في الباطن خلافه. وبالجملة كان من الأفراد، وممن تقدم إذا حضرت الأفاضل بالأعداد.

ومنهم:

[[١٤٢] فرج الله بن صغير]

طبيب لو حضر معه ابن ماسويه، لما مس العلاج، أو أبو قريش، لما اقر له ابن اللجلاج، أو استشعر به حنين بن إسحاق، لحن إلى لقائه، أو كان في زمانه ابن الأشعث، للم شعثه ببقائه، لنفع لو كان للمطجن لأكل جديه الحنيذ، أو لأمين الدولة، لكان عنده ابن التلميذ، وصدق ود لو أنه لابن كلدة لوكل إليه الوفاء، أو لسنى لابن سيناء لنسب إليه دونه الشفاء، ولم يكن شرواه في مداواة سقام ومدافعة سمام بملاطفة ما حظي بها النسيم، ولا عبث بشبهها في ملاعبة عطف الروض النسيم.

<<  <  ج: ص:  >  >>