للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال لي: إنه قرأ على أبيه وعلى ابن النفيس، وتلك الطبقة واقتصر على الطب وحققه وأذن له في الكحل، ثم في الطب، وجلس للتطبيب، وعاد المرضى وظهر أثر علمه، وكثر النفع به، وبرئ المرضى على يده وخدم السلطان، وأطلق له المعلوم والوافر والراتب الكامل، وتفرد بخدمة بكتمر الساقي، وكان يعتمد عليه دون سائر الأطباء، ويعمل بقوله في معالجته ومعالجة ولده وحريمه وخواصه وأعزائه.

وكان سلطاننا الملك الناصر يثق به، وأفرده بعد بكتمر الساقي لخدمة الدور السلطانية والنساء والحرم مع مشاركة الجماعة في مباشرة طبه والحضور عنده، ولم يزل موفر الحظ من الإكرام. وكانت بيننا وبينه صحبة، وله بنا خصوصية، وله من حسن الملاطفة في العلاج ما لم يكن لأحد سواه، وكان في هذا غاية.

جرى ذكره عند الحكيم الفاضل ناصر الدين محمد بن صغير وهو عليل بدمشق، فقال من كان مثل الحكيم فرج الله؟ وأخذ في وصفه، ووصف فضيلته، والثناء عليه، وبالغ في هذا وأطنب فيه، فقال له بعض من حضر، فكيف كان السديد الدمياطي؟ فقال: كان السديد يعمل في ما يصفه مصلحته، وفرج الله يعمل مصلحة المريض.

قلت: والأمر هو على ما قاله: فإن السديد قل أن كان يخوض الغمرات في الوصف، وفرج الله يخوض الغمرات في الوصف ويود لو نزع من جسده ثوب العافية وألبسه المريض، وإذا كره المريض أو من حضره غذاء أو دواء، أبدله بغيره، فإن كرهوه أبدله بغيره، يفعل هكذا حتى يصيب موافقه من رضاهم أو مقاربة، وكان يرى أن هذا أجدى في نفع المريض. وكانت له معالجات موافقة، وإصابات في تقدم المعرفة خارقة.

حكى لي غير وواحد من جيراننا بالقاهرة أنه كان معودًا بمعالجة رجل بسويقة الصاحب، وقد عرف مزاجه ودربه، فمر به ذات يوم وهو راكب على حماره قد نزل من القلعة على بيته، فرأى ذلك الرجل جالسًا على باب المدرسة الصاحبية، فوقف فرج الله قدامه، وذلك الرجل لا يشعر به، وأطال فرج الله النظر إليه، والتأمل إلى سحنته، وهو صحيح سوى لا يشكو مرضًا ولا عرضًا، ثم قال له: يا فلان هل عضك في هذه الأيام كلب قط؟ فقال له: نعم، من أيام قلائل فقال له: قم اقعد في بيتك، وألحق نفسك بالمداواة، ثم ساق حماره، وأتى إلى أهل بيت الرجل، وقال لهم: اعلموا أنني رأيت صاحبكم ورأيت عليه علائم الكلب، فسألته إن كان عضه كلب، فقال: نعم، فأمرته بأن يقعد في بيته، ويلحق نفسه بالمداواة والطب. فالله الله فيه، والله الله في أنفسكم؛ فإنه قد كلب ويوشك أن يجفل من الماء بعد كذا وكذا يوم، ثم يموت بعد كذا وكذا.

<<  <  ج: ص:  >  >>