ولما اعتل والدي ﵀ العلة التي مات فيها، كان أولها انصباب مادة بلغمية إلى يده، فورمت منها يده وهو ونحن لا نكترث بذلك ولا يهمنا، والأطباء تتردد إليه في كل صباح ومساء لمعالجته، وفرج الله منهم، فأصبح ذات يوم وقد تصرف الورم بجملته من يده وأصبح بارئًا لا يشك في ذلك نحن ولا الأطباء، وكان منهم ابن البرهان والسديد الدمياطي فلما انصرفوا قال لي فرج الله: اعلم أن هذه المادة لم تتصرف، وإنما انصبت بجملتها إلى مكان استضعفته من الأعضاء الباطنة، وأكبر ظني أن تكون انصبت إلى قصبة الرئة، ولئن كان كذلك ليعرضن له آخر هذا اليوم ضيق نفس، ثم قل أن تنجع معالجته مع ما بلغه من هذا السن. فلم يأت آخر ذلك اليوم إلا وقد عرض له مبادئ ضيق نفس، ثم لم يزل يتزايد إلى أن أتى عليه يوم لم نشك أنه لا يخرج عنه، فلما أتاه ورأى ماءه، واستقرأ أعراضه، ووصف له ما وصف، وقام وذلك يوم نصف شعبان، قلت له: تقول يمسي عليه المساء؟ قال: نعم، ويمسك إلى آخر هذا الشهر إلى خمسة [أو] ستة أيام أخرى في شهر رمضان. فكان الأمر كما ذكره لم يخرم.
قلت: وقل أن وصف لي دواء إلا وبين أثره ليومه، ثم حمدت عاقبته فيما بعده.
وعرض لي مرة دوار صفراوي، فأمر بماء فأسخن فوق الاسخان المستطاب، ثم شد قدمي بأنشوطة من فوق الكعبين وأمر بتدليتهما في ذلك الماء وتعجيل حل الأنشوطة عند تدليتهما في الماء ففعل، ذلك ثم أمر بإطالة اللبث ثم حكها بالحجر الخشن والملح والنخالة، فلم يكن بأسرع من زوال ذلك الدوار لانعكاس المادة. وتفتح المسام في سفل القدم، وأثر ذلك لساعته.
ولما أردت الحج في حجتي الثالثة كان الزمان صيفًا والحر شديدًا إلى غاية، فسألته عما أعتمده فقال لي: إذا خفت الحر لعب بزر قطونا بماء ثم أضيف إليه شيئًا من الخل الحاذق الثقيف، وضمد به صدرك ورقبتك، فإنك لا تبالي بالحر، فوالله لقد كنت أنا ومن معي نعمله ونركب في الهواجر المتوقدة والقيظ المضطرم، ونحن نظن أن على صدورنا قطع الثلج، لا نحس ما الحر، وما ندري ما السموم. إلى غير هذا مما كان فيه من الفضائل، وما فاق به الأنظار، وفاق بالأماثل فليت الشمس لو أبقته قليلًا.