يحفظ «كليات القانون»، ويعظم كلام بقراط، ولا يشير على مشتغل بغير «القانون»، وهو الذي جسَّر الناس على هذا الكتاب، وكان لا يحجب نفسه عن الإفادة ليلًا ولا نهارًا، وكان يحضر مجلسه في داره جماعة من الأمراء، والمهذب بن أبي خليفة رئيس الأطباء، وشرف الدين بن صغير، وأكابر الأطباء، ويجلس الناس في طبقاتهم. ومن تلاميذه الأعيان البدر حسن الرئيس، وأمين الدولة ابن القف، والسديد الدمياطي، وأبو الفرج الإسكندري، وأبو الفرج بن صغير.
وحدثني عنه غير واحد منهم شيخنا أبو الفتح اليعمري قال: كان ابن النفيس على وفور علمه بالطب وإتقانه لفروعه وأصوله، قليل البصر بالعلاج، فإذا وصف لا يخرج بأحد عن مألوفه، ولا يصف دواء ما أمكنه أن يصف غذاء، ولا مركبًا ما أمكنه الاستغناء بمفرد، وكان ربما وصف القمحية لمن شكا القرحة، والتطماج لمن شكا هواء، والخروب والقضامة لمن شكا إسهالًا. ومن هذا ومثله، ولكل بما يلائم مآكله ويشاكلها حتى قال له العطار الشرابي الذي كان يجلس عنده: إذا أردت أنك تصف مثل هذه الوصفات، أقعد على دكان اللحام، وأما إذا قعدت عندي فلا تصف إلا السكر والشراب والأدوية.
وحكى لي شيخنا أبو الثناء الحلبي الكاتب، قال: شكوت إلى ابن النفيس عقالًا في يدي، فقال لي: وأنا والله بي عقال، فقلت له: فبأي شيء أداويه، فقال لي: والله ما أعرف بأي شيء أداويه. ثم لم يزدني على هذا.
ومنهم:
[١٤٠] أحمد المغربي، شهاب الدين، والد الرئيس جمال الدين إبراهيم بن المغربي (١)
رئيس الأطباء بمصر والشام، وإليه انتهت الحشمة والاحتشام، كوكب الفضائل الطالع نيرًا، والمشرق قمرًا منورًا، أخذ من كل العلوم الحكمية بنصيب موفر الأجزاء، موفر الجناب يعزى إليه بالإعزاء. قدم مصر واستوطنها، وقطع بفضله من قطنها، وكان فريدًا في أنواع العلم إلا أنه عرف بالطب أكثر من بقية ما عرف به من المعارف، وحصل من التالد والطارف.