الجسماني وخراب العالم، ولعمري لقد أبدع فيها، ودلّ ذلك على قدرته وصحة ذهنه، وتمكنه من العلوم العقلية.
وأخبرني السديد الدمياطي الحكيم بالقاهرة، وكان من تلاميذه، قال: اجتمع ليلة هو وابن واصل وأنا نائم عندهما، فلما فرغا من صلاة العشاء الآخرة، شرعا في البحث، وانتقلا من علم إلى علم. والشيخ علاء الدين كل ذلك يبحث برياضة ولا انزعاج، وأما القاضي علاء الدين، فإنه ينزعج ويعلو صوته، وتحمر عيناه، وتنتفخ عروق رقبته، ولم يزالا كذلك إلى أن أسفر الصبح، فلما انفصل الحال، قال القاضي جمال الدين: يا شيخ علاء الدين أما نحن، فعندنا مسائل ونكت وقواعد، وأما أنت فعندك خزائن علوم.
وقال أبو الصفاء (١): قال السديد أيضًا: قلت له: يا سيدي لو شرحت «الشفاء» لابن سيناء كان خيرًا من شرح «القانون» الضرورة الناس إلى ذلك، فقال:«الشفاء» عليَّ فيه مواضع تريد أيتها؟ قلت: يريد أنه ما فهم تلك المواضع؛ لأن عبارة الرئيس في الشفاء غلقة.
قال: وأخبرني آخر قال: دخل الشيخ علاء الدين مرةً إلى الحمام التي في باب الزهومة، فلما كان في بعض تغسيله خرج إلى مسلخ الحمام، واستدعى بدواة وقلم وورق، وأخذ في تصنيف مقالة في النبض إلى أن أنهاها، ثم عاد ودخل الحمام وكمل تغسيله.
وقيل: إنه قال: لو لم أعلم أن تصانيفي تبقى بعيد عشرة آلاف سنة ما وضعتها.
والعهدة في ذلك على من نقله عنه.
وعلى الجملة كان إمامًا عظيمًا وكبيرًا من الأفاضل جسيمًا، وكان يقال هو ابن سيناء الثاني.
قال: ونقلت من ترجمته في مكان لا أعرف من هو الذي وضعه، قال: شرح «القانون في عشرين مجلدًا شرحًا حلَّ فيه المواضع الحكمية، ورتب فيه القياسات المنطقية، وبيَّن فيه الإشكالات الطبية، ولم يسبق إلى هذا الشرح؛ لأن قصارى من شرحه أن يقتصر على الكليات إلى نبض الحبالي، ولا يجرى فيه ذكر الطب إلا نادرًا، وشرح كتب بقراط كلها. ولأكثرها شرحان مطول ومختصر، وشرح الإشارات» وكان.