لم يقف عند غاية أبيه وهي نابية، ولم يقف آثاره والسحب وراءها غير متوانية.
تشرف بالإسلام، وتعرف بالهدى وعداه الملام، وحظي ممن خدمهم من الملوك بما لم يحظ به من مخدوم وغلام، وقف له مثل العادة في بهجه، وأمطاه من مراكيبه ما ركب منه في غير سرجه.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): قرأ على أخيه أبي سعيد، ثم تميز واشتهر وحظي عند الكامل، وأقطعه ضياعًا وغيرها، وكان يتفقده بالهبات الوافرة والصلات المتواترة، وكان يدخل في جميع قلاعه راكبًا لا ينزل، ثم أسكنه عنده بقلعة الجبل، وركبه العادل مرة ببغلته التي كانت قد شدت في النوبة له، وركب ووقف بين القصرين ينتظره حتى جاء، ثم أخذ بيده، وجعل يتحدث معه إلى أن أتيا دار الوزارة، وكان العادل يسكنها وهو معه راكب، والأمراء ومن سواهم مشاة في الخدمة.
وفيه يقول ابن منقذ:[من المتقارب]
رأيتُ الحَكِيمَ أبا شَاكِرٍ … كَثِيرَ المُحِبِّ مَعَ الشاكِرِ
خليفَةَ بُقْراطٍ في عَصْرِنا … وَثَانِيهِ فِي عِلْمِهِ البَاهِرِ
ومنهم:
[١٣٥] الرشيد أبو حُلَيْقَة، وهو أبو الوحش بن الفارس بن أبي الخير بن أبي سليمان داود بن أبي المنى بن فاته (٣)
وسبب تسميته بأبي حليقة؛ لأن أباه كان لا يعيش له ولد فقيل لأمه: لو عملت
(١) موفق الدين أبو شاكر بن داود بن أبي المنى بن فاته. ترجمته في: عيون الأنباء ٥٨٩ - ٥٩٠. (٢) عيون الأنباء ٥٨٩. (٣) أبو حليقة، رشيد الدين بن الفارس بن داود: الطبيب النصراني، عالم، متأدب، ولد بقرية جعبر (على الفرات قرب الرقة) سنة ٥٩١ هـ/ ١١٩٥ م ونشأ في الرها. وانتقل إلى دمشق، ومنها إلى القاهرة، فاتصل بالملك الكامل فخدمه ثم خدم ابنه الملك الصالح ثم ابنه الملك المعظم ثم الملك الظاهر بيبرس، توفي نحو سنة ٦٦٠ هـ/ نحو ١٢٦٢ م، وألف عدة كتب، منها «المختار في