شوكة في هذا الموضع الذي يوجعك، وأظهر له أنه أخرج الشوكة، وقال: ما بقي عليك بأس، وسكن عنه الألم بعد ذلك ورحلوا، فلما كان بعد عودهم بمدة وقد نزلوا في تلك المنزلة قال له صاحبه: أتدري ذلك الوجع الذي عرض لك في هذا الموضع من أي شيء كان؟ فقال: لا، فقال: إن حية ضربتك في رجلك، ورأيناها وما أعلمناك، فعرض له في الوقت ضربان قوي في رجله، وسرى في بدنه إلى أن قرب من قلبه، وعرض له غشي، ثم تزايد به إلى أن مات، وكان السبب في ذلك أن الأوهام والأحداث تؤثر في البدن تأثيرًا قويًا، فلما تحقق أن الآفة التي عرضت له كانت من نهشة الحية، تأثر [من] ذلك وسرى ما كان في ذلك الموضع من بقايا السم في بدنه، ولما وصل إلى قلبه أهلكه.
قلت: ومن نسبة ما حكى عن أبيه ما شاهدته بعيني سنة ست وسبعمائة وذلك: أنه كان عندنا صغير في سطح الدار يلعب وبيده تفاحة، فجعل يلقيها من يده، ثم يجري وراءها ويأخذها، وألقاها مرة فتدحرجت وجرى هو خلفها فوقعت من طاقة في السطح معدة لرمي الثلج ترمي إلى الطريق علوها عن الأرض يقارب عشرين ذراعًا، واستمر هو جاريًا خلفها ليأخذها فوقع من ذلك العلو إلى الأرض قائمًا على قدميه، واستمر جاريًا خلف التفاحة حتى أخذها، ولم يضره شيء البتة. وكان سداسي السن، وكنت قريبًا من سنه، وأنا أشاهده وأنا على باب الدار فسبحان الله اللطيف بخلقه.
ومنهم:
[١٢٤] ابن الهيثم، وهو أبو علي، محمد بن الحسن بن الهيثم البصري ثم المصري (١)
رجل أخذ الفرائد فنظمها والفوائد فأجلها قدرًا في الصدور وعظمها، بطرف طموح، وطرف تحت عقد بنانه جموح، فأثبت الغرر، وأنبت الدرر، وصاغ النجوم وأشباهها، وتبجس فحكى الغيوم وأمواهها، لفضائل حصلها من الصغر،
(١) محمد بن الحسن بن الهيثم، أبو علي: مهندس من أهل البصرة، يلقب ببطليموس الثاني، ولد سنة ٣٥٤ هـ/ ٩٦٥؛، له تصانيف في الهندسة، بلغ خبره الحاكم الفاطمي (صاحب مصر) ونقل إليه قوله: لو كنت بمصر لعملت في نيلها عملًا يحصل به النفع في حالتي زيادته ونقصه؛ فدعاه الحاكم إليه، وخرج للقائه، وبالغ في إكرامه، ثم طالبه بما وعد من أمر النيل، فذهب حتى بلغ الموضع المعروف بالجنادل (قبلي مدينة أسوان) فعاين ماء النيل واختبره من جانبيه، وضعف عن =