للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وخدم السلطان وتقدّم الرّهط، وتفرّد في جماعة الأطباء وأقرأ العلم وأفاد وباشر المرضى وأحسن العلاج وعدّل منحرف كلّ مزاج، وكان وافر الحظّ من السلطان والأمراء والوزراء وسائر الكبراء، وكان بصيرًا بالنّجامة، متقدّمًا في علمها، وكان يتكلّم فيها مع السلطان وأرباب الدولة وحصل النّعم الجمّة والأموال الجزيلة، وخدم بنوه السلطان وتقدّموا في الخدم، وصحب ابنه جمال الدين السلطان حين همّ بالحجّ أيام سلطنته الثانية، فلمّا أقام بالكرك، أقام معه وترك أسبابه وراءه بمصر منقطعة، فرعى له السلطان حقّ انقطاعه، وزاد في قدر إقطاعه وولّاه الرّئاسة حتّى تجاوز قدر الرّؤساء، وقرّبه حتّى كان من أخصّاء الجلساء. وكان لا يزال يفاوضه في كلّ حديث، ويطلعه على أكثر الأمور، ورفع إليه يومًا الصّلاح بن البرهان قصّة يسأل فيها الإعفاء من وظيفته في الطبّ بالخدمة، وكنت سفيره فيها، فقال لي السلطان: هذا الصّلاح أفضل من إبراهيم يعني ابن المغربي، وما يطلب ترك الخدمة إلا لأجله؛ لكونه مقدّمًا عندنا عليه، فقل: له نحن نعرف فضيلتك، وكبر قدرك، وأنّك أفضل من ابراهيم وأكبر، ولكن ابراهيم له علينا حقّ خدمة من وقت كنّا في الكرك، وهو صاحبنا، وهو طبيب عندنا. فبلغته الرّسالة بنصّها، فسكت على مضض.

قلت: هذا قول السلطان، وأمّا الرّئيس جمال الدين إبراهيم، فإنّه من أعيان الأطباء، وأهل الفضل والتّقدّم في العلم والعمل في الطبّ وصناعته، والاجتهاد دائمًا في توفير بضاعته، ولهذا اكتفيت عن إفراده بترجمة.

ومنهم:

[١٤١] السّديد الدّمياطي اليهودي، ويعرف بابن كوجك (١)

وبنو كوجك وبنو صغير أهل بيت واحد، وهم من يهود بلاد العجم، وكلّهم كانوا لا يعرفون إلا ببني كوجك. وكوجك باللغة العربيّة: صغير فلمّا قدموا مصر عرب فريق منهم اسم جدّهم المنسوبين إليه، وبقي فريق على اسمه الأعجمي.

وكان السديد شديد المقال مديد المجال، جالينوس زمانه في الطبّ الذي لم يبلغ، والعلم الذي لم يدرك، قرأ على ابن النّفيس والنّابلسي، وعلى ابن


(١) ترجمته في: الوافي بالوفيات ١٥/ ١٢٧، المنهل الصافي ٥/ ٣٨٤، أعيان العصر ٢/ ٤٠٤، معجم الأطباء ٢٠٠ - ٢٠١.

<<  <  ج: ص:  >  >>