من لم يكن يمتد في العلم، باعه، ولم يكثر تبحره واتساعه، فأجاب عنها بما أبان عن تقصيره، ونطق بعجزه، وأعرب عن سوء تصوره وفهمه، وكان مثله في عظم دعاويه، وقصوره عن أيسر ما هو متعاطيه كقول الشاعر:[من المتقارب]
يشمِّرُ للُّجٌ عَنْ ساقه … ويغمره الموج في الساحل
أو كما قال الآخر:[من المتقارب]
تمنيتُمُ مائتي فارس … فَرَدَّكُم فارس واحد
قال أبو الصلت: وكان بمصر طبيب من أهل أنطاكية يسمى بجرجس ويلقب بالفيلسوف على ما قيل في الغراب: أبو البيضاء، وفي اللديغ: سليم، قد تفرغ بالتولع بابن رحمون والإزراء عليه، وكان يزور فصولًا طبية وفلسفية ويقررها في معارض ألفاظ القوم، وهي محال لا معنى لها، وفارغة لا فائدة منها، ثم إنه: ينفذها إلى من يسأله عن معانيها، ويستوضحه أغراضها، فيتكلم عليها ويشرحها بزعمه دون تيقظ ولا تحفظ باسترسال واستعجال وقلة اكتراث واهتبال فيوجد فيها عنه ما يضحك منه.
وأنشدت لجرجس هذا عنه وهو أحسن ما سمعته:[من السريع]
إنَّ أَبا الخير على جَهْلِهِ … يَخِفُ في كفته الفاضل
عليله المسكينُ مِنْ شُوْمِهِ … في بَحرِ هُلْكٍ ماله ساحل
ثلاثة تدخل في دفعة طلعته … والنعش والغاسل
ومنهم:
[١٢٨] بلمظفر ابن معرف، وهو أبو المظفر، نصر بن محمود بن المعرف (١)
عالم بأسرار الطبيعة، وعارف بأخبار الشريعة وفاضل كاد يحوز الفضل جميعه، وكان محبًا لكثرة الثراء، ومبللًا بثرى تربته الخضراء، لا يعدل شيء عنده نعمة الغنى، ولا يصرف إلى غيرها همة المنى، وعانى الصنعة، فلم يبتل له منها عود بماء، ولا حصل له صاد الصديق ولا كاف الكيمياء، مع ما أنفق من مال وأخفق من مال.
ذكره ابن أصيبعة، وأثنى على فضله، وقال (٢): كان مغرمًا بصناعة الكيمياء