للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وألفها، وجناها من رؤوس الشجر ومما يعرشون، ويبسطون من الأرض ويفرشون، إلى إتقان لقواعد الطب وأصوله، وعوائد المستطب في العام وفصوله، حتى أنه إليه المرجع وعليه الاعتماد في كل دواء ينجع.

ذكره ابن أبي أصيبعة وقال (١): كان مقامه أولًا بالقدس ونواحيه، وله معرفة جيدة بالنبات وماهياته، وكان متميزًا في صناعة الطب، والاطلاع على دقائقها، وله خبرة بتركيب المعاجين والأدوية المفردة، واستقصى معرفة الدرياق الكبير الفاروق وتركيبه، وركب منها شيئًا كثيرًا على أتم ما يكون من حسن الصنعة، وانتقل إلى مصر وأقام بها حتى مات.

قال ابن القفطي (٢): إن التميمي هو الذي أكمل الدرياق الفاروق بما زاده فيه من المفردات، وكان خصيصًا بالحسن بن عبد الله بن طغج صاحب الرملة، وعمل له معاجين ولخالخ طبية، وأنواع دخن دافعة للوباء، وركب سفوف الرجفان الحادث عن المرة السوداء المحترقة، وكان يذكر أنه نقله عن راهب كان بالقدس فاضلًا في الحكمة والطب، أدرك الدولة العلوية بمصر، وصحب يعقوب بن كلس وزير المعز والعزيز، ولقي الأطباء بمصر وناظرهم.

وحكى عن أبيه أنه سكر مرة سكرًا مفرطًا غلب على عقله، فسقط في بعض الخانات من موضع عال إلى أسفل الخان، وهو لا يعقل، فحمله صاحب الخان وخدمه حتى أدخله الحجرة التي كان ساكنها، فلما أصبح قام وهو يجد وجعًا ووهنًا في مواضع من جسده، ولا يعرف لذلك سببًا فركب، وتصرف في بعض أموره إلى أن تعالى النهار ثم رجع فقال لصاحب الخان: إني وجدت في جسدي وجعًا وتوهنًا شديدًا لست أدري ما سببه، فقال صاحب الخان: ينبغي أن تحمد الله على سلامتك، قال من ماذا؟ قال: أوما علمت ما نالك البارحة؟ قال: لا، قال: فإنك سقطت من أعلى الخان إلى أسفل وأنت سكران، قال: ومن أي موضع؟ فأراه الموضع، فلما رآه حدث به للوقت من الوجع الضربان ما لم يجد معه سبيلًا إلى الصبر، وأقبل يصيح ويتأوه إلى أن جاءوه بطبيب ففصده وشد على مفاصله المتوهنة جبارًا، وأقام أيامًا كثيرة إلى أن برئ وذهب عنه الوجع.

أقول: ومما يناسب هذه الحكاية أن بعض الناس كان في بعض أسفاره في مفازة ومعه رفقة له، فنام في منزلة نزلها في الطريق ورفقته جلوس، فخرجت حية من بعض النواحي فصادفت رجلًا فنهشته فيها وذهبت، وانتبه مرعوبًا من الألم وبقي يمسك رجله ويتأوه منها، فقال له بعضهم: ما عليك مددت رجلك بسرعة، وقد صادفت رجلك


(١) عيون الأنباء ٥٤٦.
(٢) أخبار العلماء بأخبار الحكماء ١٠٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>