للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وما اختلفوا ومواضع الغلط والاشتباه الذي وقع لبعضهم في نعته، فكنت أراجع تلك الكتب معه، ولا يغادر شيئًا بما فيها، وأعجب من ذلك أيضًا أنه كان ما يذكر دواء إلا ويعين في أي مقالة هو من كتاب ديسقوريدس وجالينوس، وفي أي عدد هو من جملة الأدوية المذكورة وفي تلك المقالة.

وكان في خدمة الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب، وكان يعتمد عليه في الأدوية المفردة، والحشائش، وجعله في الديار المصرية رئيسًا على سائر العشابين وأصحاب البسطات، ولم يزل في خدمته إلى أن توفي الملك الكامل بدمشق، وبعد ذلك توجه إلى القاهرة، ثم خدم الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل، وكان حظيًا عنده مقدمًا في أيامه وكانت وفاة ضياء الدين العشاب بدمشق في شهر شعبان سنة ست وأربعين وستمائة، وكتابه الجامع في الأدوية المفردة لا يوجد كتاب في الأدوية أجل ولا أجود منه، وصنفه للملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل.

قلت: ويحكى أنه سم نفسه فمات، حدثني الحكيم أمين الدولة سليمان بن داود المتطبب، قال: كان الملك الصالح قد أعطى ابن البيطار ألف دينار لينفقها على أثمان أدوية دعت إليها حاجته، واجتناء حشائش شامية ورومية، فلما أتى بيت المقدس رأى امرأة نصرانية اسمها مريم، فأحبها وأنفق عليها ذلك المال حتى أنفده وأهمل حاجة الملك الصالح، فلما قدم الملك الصالح - إما قال القدس أو قال دمشق - لم يكن لابن البيطار دأب ليلة أراد الصالح يدخل البلد في صباحها إلا أنه أحضر النصرانية، وبات معها في أكل وشرب واستمتاع حتى كان الثلث الآخر، فأخرج حشيشة معه فسحقها في هون، ثم استفها ونام، وقال غطوني ثم إذا أصبحتم لا تسحقوا شيئًا في الهون حتى تجيدوا غسله؛ فإنه قد صار مسمومًا. فلم يفهموا مقاله إلى أن أصبحوا فرأوه ميتًا، ففهموا ما كان قاله وغسلوا الهون، فلما دخل السلطان سأل عنه فحكيت إليه القصة، فقال: لقد أساء بنا الظن، وأين مثله لأشتريه بشطر ملكي؟! والله لو علمت لأعطيته عشرة آلاف دينار يصرفها في لذته وكان أمتعنا بنفسه.

قلت: ويحكى أنه ترك عقاقير كثيرة ومفردات عدة لم يذكرها في كتابه الجامع ضنًا بها وبخلًا على غيره بمعرفتها. قال لي الحكيم صلاح الدين بن البرهان: كان ابن البيطار يعرف مما يدخل في علم الكيمياء مصدقًا بعلمها وإن كان لا يعملها بيده ولهذا أظنه قال ما قال: [من الوافر]

فكُلُّ يَدَّعُونَ وصال ليلى … وليلى لا تَقَرُّ لهم بذاكا

ومنهم:

<<  <  ج: ص:  >  >>